
اليوم، وبعد أن رحل سياسيا -غير مأسوف عليه- "فيكتور أوربان" الذي استعمل أكثر من مرة حق النقض داخل هيئات الاتحاد الأوروبي، للحيلولة دون اتخاذ أي إجراء عقابي ضد مرتكبي الإبادة في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية، صدر أول قرار جماعي أوروبي يعاقب بعض المستوطنين (3) الأكثر عنفا وغطرسة، بالإضافة إلى منظمات إجرامية(4). فلولا التضحيات البطولية للصحافيين الفلسطينيين، لما اطلعت الشعوب الأوروبية على ممارسات المستوطنين في الضفة ولما ضغطت هذه الشعوب -عبر "الربيع الغربي"- على حكوماتها للتحرك ضد هذه الممارسات الهمجية. فحتى ولو كان القرار العقابي المذكور رمزيا إلى حد كبير، إذ لا يتناسب وحجم وخطورة الجرائم التي يقترفها المستوطنون بشكل يومي في حق المدنيين العزل في الضفة الغربية، إلا أنه يمكن اعتباره خطوة خجولة في اتجاه الموقف السليم، المنطقي الذي تطالب به عدة حكومات أوروبية بقيادة إسبانيا والقاضي بإلغاء اتفاقية الشراكة التفضيلية بين الاتحاد الأوروبي ودولة الاحتلال، أو تجميده مرحليا. ويأتي هذا التحرك الجماعي للاتحاد الأوروبي على خلفية تفاقم الاعتداءات على المسيحيين ومقدساتهم في فلسطين ولبنان، على يد الصهاينة…
حصد، أمس في لندن، الفلم الروائي "غزة : أطباء تحت النار" جائزة "الأكاديمية البريطانية للفنون السينمائية والتلفزيونية" ؛ ولهذا الوثائقي قصة تعكس نمطية سلوك بعض النخب الغربية حيال مأساة فلسطين، حيث كلفت ال-"بي بي سي" إثنين من صحافييها بتحضير تغطية مصورة عن غزة، في أوج الإبادة الجماعية هناك. أعد الصحافيان تقريرهما بالتعاون مع زميلين غزاويين لهما، إذ تحظر سلطات "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" ولوج القطاع على الصحافة الدولية...
عندما قدم الصحافيان عملهما، تفاجآ برفض إدارة ال-"بي بي سي" بثه، فقررا البحث عن محطة تلفزيونية بديلة لبث التقرير المصور وكان لهما ذلك، فلقي التقرير رواجا جماهيريا منقطع النظير، خاصة على وسائل التواصل البديلة… وفي كلمة له، بمناسبة استلام الجائزة، شكر أحد الصحافيين زميليهما الفلسطينيين بالاسم وطلب، بنبرة فكاهية بريطانية أصيلة، من الـ-"بي بي سي"، ألا تحجب صورهما في الحفل، كما حصل مع الفلم الوثائقي الفائز…
لم تكن المرة الأولى التي تفرض فيها العدسات والسرديات الفلسطينية عبقريتها وتميزها على المتسابقين على الجوائز السينمائية في المهرجانات الدولية المرموقة، فقبل "غزة : أطباء تحت النار"، حصد فلم "صوت هند رجب" أهم جوائز الفن السابع عالميا، تماما كما حصل مع "كل يوم في غزة" و "فلسطين 36"…
ابتداء من غد وحتى السابع عشر من الشهر الجاري، ينعقد في فيينا (النمسا) أهم حدث فني أوروبي من منظور المتابعة الجماهيرية، مسابقة "أوروفزيونه"، تحت ضغط من المساندين للحق الفلسطيني الذين طالبوا باستثناء دولة الاحتلال من المشاركة في هذا الحدث شبه-العالمي؛ حيث قررت دول أوروبية بقيادة إسبانيا مقاطعة هذه التظاهرة وعدم بث صورها، كما وقع أكثر من ألف من مهنيي الفن مقاطعة الحدث، تحت شعار "لا مسرح لإبادة جماعية"، وأعاد أحد الفائزين السابقين جائزته احتجاجا على هذه المشاركة. فلولا أبطال العدسة الكاشفة الفلسطينية، لكانت الأمور كما كانت عليه : سردية أحادية ومغلوطة، يتلقفها الجمهور العالمي في أجواء احتفالية تحيد الحس النقدي وتؤمن ابتلاع "الطعم" لاشعوريا…
لقد دفع الصحافيون الفلسطينيون ثمنا باهظا لفرض قضيتهم فنيا وإعلاميا، فحسب التقرير السنوي ل-"الاتحادية الدولية للصحافيين"، تم قتل 128 صحافيا خلال السنة 2025، نسبة 44٪ منهم من صحافيي غزة وحدها… فرحمة الله تعالى عليهم جميعا.
إسلك أحمد إزيد بيه



.jpeg)

.jpeg)