الثروة الحيوانية في موريتانيا.. بين تصدير القطيع وضياع القيمة المضافة

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تعيش موريتانيا كل عام مفارقة باتت تبدو بنيوية: ففي الوقت الذي تُنظم فيه اللجان الثلاثية عبر التلفزيون الرسمي عمليات التصدير الواسعة للماشية الموريتانية نحو أسواق السنغال وعدد من دول غرب إفريقيا لتلبية الطلب الإقليمي، يجد المستهلك الموريتاني نفسه عاجزاً عن اقتناء أضحيته، بعدما تجاوز سعر الكبش في كثير من الأحيان حاجز 80 ألف أوقية قديمة.

 

وهكذا تصدر البلاد ثروتها الحيوانية حية، دون تصنيع أو خلق قيمة مضافة، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية، ويحوّل المناسبة الدينية تدريجياً إلى تحدٍّ اجتماعي. غير أن موريتانيا لم تكن دائماً مجرد اقتصاد رعوي قائم على تصدير المواد الخام؛ فقد كان قطاع الثروة الحيوانية في الماضي أحد أكثر القطاعات ازدهاراً في البلاد.

 

فقد كانت كل ولاية تتوفر على منشآت إدارية خاصة بقطاع التنمية الحيوانية، كما كانت الضرائب تنظم القطاع، بينما بدأ المسلخ المبرد بمدينة كيهيدي نشاطه عام 1969 في تصدير اللحوم الحمراء عبر رحلات شحن جوية متخصصة. وكانت شركة “سوميكوب” تحتكر تصدير اللحوم الحمراء، في حين أنشئت قرب مسلخ كيهيدي في سبعينيات القرن الماضي مدبغة حديثة، كما بدأت شركة “سوكوميتال” منذ عام 1972 تصدير الجلود والمنتجات الجلدية نحو بلدان المغرب العربي. وكانت هناك آنذاك سلسلة متكاملة للقيمة مرتبطة بالثروة الحيوانية الموريتانية.

 

لكن منذ تسعينيات القرن الماضي، جرى التخلي تدريجياً عن هذا البناء الاقتصادي والصناعي لصالح سياسات ركزت بدرجة أكبر على الزراعة، رغم محدودية نتائجها في بيئة ساحلية معقدة. وأصبح قطاع التنمية الحيوانية أحد أكثر القطاعات تهميشاً ضمن السياسات العمومية، رغم مساهمته بأكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وكونه من أهم مصادر التشغيل في البلاد.

 

واليوم، تُصدر مئات الآلاف من رؤوس الماشية حية دون أي تحويل محلي، فيما تُتلف الجلود غالباً بسبب أساليب الذبح التقليدية التي تجعلها غير قابلة للاستغلال الصناعي. كما تُهدر القرون والأظلاف، رغم ارتفاع الطلب عليها في الأسواق الدولية، خاصة الأوروبية، دون أي استثمار اقتصادي.

 

في حين أن الحيوان يفترض أن يشكل منظومة صناعية متكاملة تشمل: اللحوم، والجلود، والعظام، والقرون، والأظلاف ومختلف المنتجات الثانوية، بما يمكن أن يخلق آلاف الوظائف وعوائد مالية كبيرة.

 

ومن هنا تبرز الحاجة الاستراتيجية لبناء مسلخ عصري في نواكشوط مطابق للمعايير الصحية الدولية، على غرار بعض المشاريع الجاهزة التي أُنجزت في تشاد، بما يسمح بتصنيع اللحوم الحمراء ومختلف المنتجات الثانوية محلياً قبل تصديرها.

 

ويمكن لهذه المنشأة أن تتيح في مرحلة أولى تصدير اللحوم المصنعة إلى أسواق المنطقة، ثم مستقبلاً - بعد تحسين منظومة الصحة الحيوانية والتتبع الصحي - فتح المجال أمام الوصول إلى الأسواق المغاربية والمصرية التي أبدت مراراً اهتمامها باللحوم الموريتانية، لكنها تتراجع بسبب الظروف الصحية غير الملائمة في مسالخ تقليدية مثل مسالخ تنويش.

 

ولا تمثل الثروة الحيوانية في موريتانيا مجرد نشاط اقتصادي، بل تشكل منظومة اجتماعية وثقافية متكاملة. فهي توفر مصادر عيش للمربين، وتجار الماشية، والجزارين، وجامعي الجلود، ومنتجي الحليب، والناقلين، والأطباء البيطريين، ومختلف الفاعلين في مجال الأعلاف.

 

كما تدعم اقتصاداً غير مرئي يضم الرعاة العاملين من الأسر الهشة، ومزودي المياه المرتبطين بالحركة الرعوية، والنساء العاملات في الصناعات الجلدية التقليدية، ومختلف الأنشطة المرتبطة بالنقل والمواكبة.

 

ومع امتلاك موريتانيا لقطيع يتجاوز 26 مليون رأس، فإن الإمكانات تبدو هائلة.

 

وتشير الحسابات إلى أن معالجة 30 رأساً فقط من الأبقار يمكن أن توفر يومياً ما يصل إلى 20 فرصة عمل في الذبح، و4 في التسويق، و80 في التحويل والتصنيع، وهو ما يبرز الحجم الحقيقي للفرص الكامنة في التصنيع المحلي.

 

كما يمثل قطاع الثروة الحيوانية نظاماً تقليدياً للتضامن الاجتماعي، يقوم على الزكاة وعلى نظام “المنيحة”، الذي يقوم على إعارة الإناث الحلوب للأسر المحتاجة، وهو شكل من أشكال الحماية الاجتماعية سبق ظهور الأنظمة الحديثة.

 

ورغم تعدد المشاريع الممولة خلال العقود الأخيرة — سواء من الاتحاد الأوروبي أو البنك الدولي أو البنك الإفريقي للتنمية أو منظمة أوبك وغيرها — فإن النتائج الإجمالية ما تزال محدودة.

 

وفي بعض الحالات، بدت بعض السياسات وكأنها استنساخ تقني بعيد عن الواقع البيئي المحلي، كما حدث مع إدخال برامج للتلقيح الاصطناعي تعتمد سلالات أوروبية مثل “مونتبليار”، وهي سلالات قليلة التكيف مع بيئة الساحل، بينما كان بالإمكان تطوير برامج وطنية لحماية وتحسين السلالات المحلية مثل “العدوم”، المهددة اليوم.

 

وتنعكس أزمة القطاع الرعوي حتى على طريقة عيش الموريتانيين لشعائر عيد الأضحى، باعتباره مناسبة دينية واجتماعية كبرى تُسقط عليها كل مجموعة تصوراتها الخاصة حول التضحية والمكانة الاجتماعية والتضامن.

 

فبالنسبة للسوننكي يصبح الكبش رمزاً للمكانة الجماعية؛ ولدى الولوف يعكس الوضع الاجتماعي والتوازنات الأسرية؛ بينما يركز البولار على جودة الأضحية أكثر من المظاهر؛ أما لدى البيظان فتبقى الشعيرة أكثر بساطة وتحفظاً.

 

وهكذا يتحول الكبش إلى مرآة للمجتمع الموريتاني نفسه، كاشفاً عن التراتبيات الاجتماعية وأشكال التضامن ومظاهر الاختلالات والتصورات الجماعية.

 

ويبقى السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه اليوم أكبر من مجرد قضية الثروة الحيوانية: هل ستواصل موريتانيا تصدير مواشيها كمواد خام دون قيمة مضافة، أم أنها ستتجه أخيراً نحو بناء قوة زراعية رعوية حقيقية قادرة على تحويل ثروتها الحيوانية إلى سيادة صناعية وقيمة اقتصادية وفرص عمل واسعة؟

 

محمد ولد الشريف

ثلاثاء, 19/05/2026 - 18:02