
بعد أن ظل لعقود بعيدا عن مراكز الثقل في سوق الطاقة العالمية، بدأ اليورانيوم الموريتاني يكتسب مكانة جديدة مع التقدم المتسارع لمشروع “تيرس” الذي تطوره الشركة الأسترالية Aura Energy. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على المعادن الاستراتيجية التي أصبحت عنصرا أساسيا في حسابات الأمن الاقتصادي للدول الكبرى.
ولم يعد هذا التحول مجرد احتمال مستقبلي، إذ أكدت الشركة مطلع يونيو الجاري تقدم المباحثات مع المؤسسة الأمريكية لتمويل التنمية الدولية (DFC) بشأن تمويل قد يصل إلى 170 مليون دولار لدعم تطوير المشروع. كما أعلنت توقيع مذكرة تفاهم مع إحدى كبرى شركات الطاقة النووية العالمية للمساهمة في تمويل المشروع ودعم ترتيبات التسويق والتعاون الفني المرتبط به.
هذه المؤشرات تعكس انتقال مشروع “تيرس” من مجرد مشروع تعدين تقليدي إلى أصل استراتيجي يحظى باهتمام متزايد ضمن سلاسل الإمداد العالمية الخاصة باليورانيوم، في ظل تزايد البعد الجيوسياسي المرتبط بالمعادن الحساسة.
ويأتي هذا الاهتمام في سياق التحول الذي تشهده السياسة الأمريكية تجاه المعادن الحرجة، حيث باتت واشنطن تنظر إليها باعتبارها جزءا من أمنها القومي واستراتيجيتها الاقتصادية. وتؤكد مؤسسة DFC في وثائقها الرسمية أن استثماراتها تهدف إلى تعزيز أمن سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد على المنافسين الاستراتيجيين للولايات المتحدة.
ويمتلك مشروع “تيرس” عددا من المقومات التي تجعله محط اهتمام دولي متزايد. فالشركة المطورة تصفه بأنه مشروع منخفض التكلفة وقريب من مرحلة الإنتاج، مع قدرة مستهدفة تبلغ مليوني رطل سنويا من أكسيد اليورانيوم (U3O8). كما تقدر احتياطياته المؤكدة بنحو 33.6 مليون رطل من أكسيد اليورانيوم، فيما تصل الموارد المعدنية الإجمالية إلى 91.3 مليون رطل، إضافة إلى مساحة استكشافية واسعة تبلغ نحو 13 ألف كيلومتر مربع وعمر تشغيلي يتجاوز 25 عاما.
وتملك شركة Aura Energy نسبة 85% من المشروع عبر فرعها الموريتاني “تيرس ريسورس”، بينما تمتلك الدولة الموريتانية نسبة 15%. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذه المعطيات تجعل المشروع يتجاوز البعد الصناعي البحت ليصبح جزءا من معادلة أمن الإمدادات المستقبلية في سوق عالمية تتزايد أهميتها الاستراتيجية.
وتشير معلومات متداولة في الأوساط المتخصصة إلى أن الاهتمام الأمريكي لا يقتصر على التمويل فقط، بل يمتد إلى متابعة تركيبة الشركاء والمستثمرين المحتملين في المشروع، في ظل حرص واشنطن على الحد من نفوذ منافسين دوليين داخل القطاعات المرتبطة بالمعادن الاستراتيجية. ورغم غياب تصريحات رسمية تؤكد هذا التوجه بشكل مباشر، فإن ذلك ينسجم مع السياسة الأمريكية الجديدة الرامية إلى تأمين الموارد الحيوية وحمايتها من النفوذ المنافس.
وبالنسبة لموريتانيا، يفتح هذا التطور الباب أمام فرص اقتصادية مهمة، من خلال تسريع تمويل المشروع وتحويله إلى أول منجم لليورانيوم في البلاد. غير أن ذلك يضع المشروع أيضا في دائرة التنافس الدولي، حيث قد تتأثر خيارات التمويل والشراكات والتسويق باعتبارات جيوسياسية تتجاوز الإطار الوطني.
ومع اقتراب الشركة من اتخاذ قرار الاستثمار النهائي المتوقع قبل نهاية عام 2026، يزداد وضوح التحول الذي يشهده مشروع “تيرس”. فالمشروع لم يعد مجرد استثمار تعديني موريتاني، بل أصبح جزءا من المشهد العالمي الجديد لإعادة تشكيل سلاسل إمداد اليورانيوم.
وفي المحصلة، فإن اهتمام واشنطن المتزايد باليورانيوم الموريتاني يعكس تداخل مجموعة من الرهانات المرتبطة بالطاقة والصناعة والأمن الاقتصادي والنفوذ الدولي. وفي ظل هذا الواقع الجديد، لم تعد موريتانيا مجرد دولة مرشحة لاحتضان مشروع تعدين واعد، بل أصبحت طرفا في معادلة استراتيجية أوسع تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى حول الموارد الحيوية للمستقبل.
Emergences



.jpeg)

.jpeg)