الساحل.. مختبر سقوط معادلة “الأمن والتنمية” في غرب إفريقيا

لم تعد منطقة الساحل مجرد فضاء جغرافي مأزوم بين الصحراء وغرب إفريقيا، بل تحولت إلى مختبر مفتوح لاختبار حدود النظريات الأمنية التي حكمت تدخلات الخارج وسياسات الدول خلال العقدين الماضيين. وفي مقدمة هذه النظريات تبرز معادلة “الأمن والتنمية”، التي قامت على افتراض بسيط: لا استقرار من دون تنمية، ولا تنمية من دون أمن.

لكن ما يجري في مالي وبوركينا فاسو والنيجر يكشف أن هذه المعادلة، رغم وجاهتها النظرية، دخلت مرحلة إنهاك عميق. فدراسة مركز IDS  تحت عنوان “إفريقيا الغربية: الساحل، مختبر تراجع عقيدة الأمن والتنمية” تعتبر أن الساحل أصبح المثال الأوضح على فشل هذه المقاربة، في ظل الانقلابات العسكرية، وتراجع الحضور الغربي، وصعود البدائل الأمنية الجديدة، خصوصا الشراكات الروسية.

لقد أنفقت دول الساحل وشركاؤها الدوليون سنوات طويلة في بناء برامج تجمع بين مكافحة الإرهاب، دعم الجيوش، تمويل مشاريع التنمية، إصلاح الحوكمة، ومساعدة السكان المحليين. غير أن النتيجة جاءت عكسية في كثير من الحالات: اتساع رقعة العنف، تمدد الجماعات المسلحة، انهيار الثقة في الدولة، وتآكل شرعية النخب الحاكمة.

المعضلة الأساسية أن عقيدة “الأمن والتنمية” تعاملت مع الأزمة غالبا بوصفها نقصا في الموارد أو الخدمات أو القدرات العسكرية، بينما هي في العمق أزمة دولة. فحين تغيب العدالة، وتضعف الإدارة، ويتحول الجيش إلى الأداة الوحيدة لحضور السلطة، يصبح الحديث عن التنمية محدود الأثر. وحين يشعر السكان بأن الدولة لا تظهر إلا في صورة جندي أو جابي ضرائب أو مسؤول بعيد، تملأ الجماعات المسلحة الفراغ بخطاب بديل، ولو كان عنيفا ومغلقا.

في مالي، مثلا، لم يؤد تراكم العمليات العسكرية إلى استعادة الاستقرار. بل أصبحت الجغرافيا الأمنية أكثر تعقيدا، مع انتقال الصراع من الشمال إلى الوسط، ثم إلى محيط العاصمة. وفي بوركينا فاسو، تراجعت قدرة الدولة على السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد. أما النيجر، فوجد نفسه بعد الانقلاب أمام إعادة تموضع كاملة في علاقاته الأمنية والسياسية.

هذا التحول كشف أيضا حدود الرهان الغربي. فقد بنت فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مقاربات أمنية طويلة في الساحل، لكنها اصطدمت بمقاومة شعبية وسياسية متزايدة. ومع صعود الأنظمة العسكرية، تحولت الشراكة الأمنية من نموذج غربي يقوم على التدريب والدعم المشروط، إلى نموذج جديد أكثر مباشرة وأقل اكتراثا بخطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هنا برزت روسيا بوصفها بديلا سياسيا وأمنيا، لا لأنها تقدم حلا جذريا للأزمة، بل لأنها تخاطب مطلبا فوريا لدى الأنظمة الجديدة: حماية السلطة، دعم الحرب ضد الجماعات المسلحة، وتوفير شراكة لا تضع شروطا سياسية علنية. غير أن هذا التحول لا يعني نهاية الأزمة، بل قد يعيد إنتاجها بصيغة أشد عسكرة، إذا ظل البعد السياسي والاجتماعي غائبا.

والأخطر أن الساحل لم يعد أزمة محلية محصورة داخل حدود الدول الثلاث. فالهشاشة الأمنية باتت تمتد نحو خليج غينيا، وتضغط على دول مثل بنين وتوغو وساحل العاج وغانا. كما باتت الأزمة تؤثر في طرق الهجرة، وشبكات التهريب، وأمن الطاقة، وحركة التجارة، وتوازنات النفوذ بين القوى الدولية.

ما تكشفه الدراسة، في جوهرها، هو أن العقيدة القديمة لم تعد كافية. فالأمن لا يصنعه السلاح وحده، والتنمية لا تنجح إذا جاءت فوق بنية سياسية متهالكة. كما أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تنجح إذا تحولت إلى حرب مفتوحة على مجتمعات تشعر بالتهميش والإقصاء.

لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم لم يعد: كيف نعيد تطبيق مقاربة الأمن والتنمية؟ بل: كيف نعيد تعريفها؟ فالمطلوب ليس جمع المشاريع التنموية إلى جانب العمليات العسكرية، بل بناء عقد سياسي جديد يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل الأمن خدمة عمومية لا مجرد سلطة قسرية.

الساحل، بهذا المعنى، ليس فقط منطقة فشل أمني، بل مرآة لتحولات أوسع في النظام الدولي. إنه يكشف نهاية مرحلة كانت فيها القوى الغربية قادرة على صياغة أجندة الأمن والتنمية، وبداية مرحلة تتنازع فيها النماذج والولاءات والتحالفات. وفي قلب هذه التحولات، تبقى شعوب المنطقة هي الأكثر دفعا للثمن: بين عنف الجماعات المسلحة، وقسوة الجيوش، وفشل النخب، وتنافس الخارج.

 

خلاصة 

تُظهر تجربة الساحل أن معادلة “الأمن والتنمية” سقطت عندما تحولت إلى شعار تقني بلا إصلاح سياسي عميق. فلا التنمية وحدها أوقفت العنف، ولا العسكرة وحدها أعادت الدولة. وبين الاثنين، تحتاج المنطقة إلى مقاربة ثالثة: دولة عادلة، أمن مسؤول، وتنمية تبدأ من الإنسان لا من خرائط المانحين.

أحد, 05/07/2026 - 13:31