
تفتح نية الحكومة الموريتانية توقيع عقود استكشاف وإنتاج مع شركتي Murphy Oil Corporation وChariot Energy Group على ثلاثة مقاطع بحرية في الحوض الساحلي، بابا جديدا أمام طموح موريتانيا لتوسيع قاعدة الاستكشاف النفطي والغازي. فقد عرض وزير الطاقة والنفط، خلال اجتماع مجلس الوزراء يوم 8 يوليو 2026، طلب ترخيص لتوقيع هذه العقود، في إطار سياسة حكومية تهدف إلى تعظيم القيمة المستخلصة من الموارد الهيدروكربونية واستقطاب شركاء يمتلكون القدرات الفنية والمالية المطلوبة.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في الإعلان السياسي وحده، بل في طبيعة الشركتين، وحجم قدرتهما على تحمل مخاطر الاستكشاف البحري، وهو نشاط مكلف ومعقد، قد يستغرق سنوات قبل أن يتحول إلى اكتشاف تجاري أو إنتاج فعلي.
Murphy Oil.. شريك أمريكي بخبرة بحرية وملاءة أكبر
تبدو Murphy Oil Corporation الطرف الأكثر وزنا في هذه المعادلة. فالشركة الأمريكية، المدرجة في بورصة نيويورك، تمتلك تجربة معتبرة في الاستكشاف والإنتاج، ولديها محفظة أصول برية وبحرية في أكثر من منطقة. وقد أعلنت في نتائجها السنوية لعام 2025 احتياطيات مؤكدة أولية تبلغ 715 مليون برميل مكافئ نفط، بعد إنتاج سنوي قدره 67 مليون برميل مكافئ نفط، مع احتفاظها بعمر احتياطي يبلغ 11 سنة.
وتعزز تجربة مورفي الأخيرة في إفريقيا من أهمية دخولها المحتمل إلى الحوض الساحلي الموريتاني. ففي يونيو 2026، أعلنت الشركة اكتشافا نفطيا بحريا في كوت ديفوار، في بئر Bubale-1X ضمن المقطع CI-709، تم حفره على عمق مائي كبير، وكشف عن مؤشرات نفط خفيف عالي الجودة، قبل الانتقال إلى مرحلة تقييم الاكتشاف.
وبهذا المعنى، فإن وجود مورفي في أي عقد استكشاف بحري يمنح المشروع وزنا فنيا وماليا أكبر، لأنها ليست شركة واجهة أو وسيطا يبحث عن رخصة، بل شركة إنتاج واستكشاف ذات عمليات فعلية، وتجربة في المياه البحرية، وقدرة أكبر على تحمل كلفة الدراسات والحفر والتقييم.
Chariot Energy.. شركة أصغر تراهن على الشراكات والتمويل
أما Chariot Energy Group فتمثل حالة مختلفة. فهي شركة طاقة إفريقية التوجه، مدرجة في سوق AIM التابعة لبورصة لندن، وتتركز عملياتها الرئيسية في إفريقيا. وتظهر وثائقها أنها تعمل في مجالات النفط والغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، لكنها تظل أصغر حجما من مورفي، وأكثر اعتمادا على الشراكات والتمويلات المرحلية.
ولـ Chariot حضور سابق في موريتانيا من خلال مشروع نور للهيدروجين الأخضر، الذي تطوره بالشراكة مع TEH2، المملوكة بنسبة 80% لتوتال إنرجيز و20% لمجموعة EREN. ويمتد المشروع، بحسب تقرير الشركة، على منطقتين بريتين في شمال موريتانيا بمساحة تقارب 5000 كلم مربع، مع تصور طويل الأمد للوصول إلى قدرة تحليل كهربائي تبلغ 10 غيغاوات عند اكتمال المشروع.
غير أن نقطة الحذر الأساسية تتعلق بقدرتها المالية الذاتية. فقد أظهرت نتائج الشركة أن رصيدها النقدي في نهاية 2025 بلغ نحو 0.4 مليون دولار، قبل أن تجمع في مارس 2026 تمويلا إجماليا قدره 24.3 مليون دولار. وهذا يعني أن الشركة قادرة على تعبئة أموال جديدة، لكنها ليست من نوع الشركات التي تمول وحدها عمليات بحرية كبيرة دون شركاء أو ترتيبات تمويل واضحة.
لذلك، فإن تقييم دور Chariot في العقود المرتقبة يجب أن يتوقف عند طبيعة التزاماتها الفعلية: هل ستكون مشغلا؟ أم شريكا أقلية؟ ما حجم التمويل الذي ستلتزم به؟ وهل ستكون هناك ضمانات بنكية وبرنامج عمل واضح يلزمها بالانتقال من الدراسات إلى الحفر؟
الحوض الساحلي.. رهان الاستكشاف لا ضمان الاكتشاف
توقيع عقود استكشاف وإنتاج في ثلاثة مقاطع بحرية لا يعني أن موريتانيا تقف أمام اكتشاف وشيك. فالاستكشاف البحري مسار طويل، يبدأ عادة بالبيانات الجيولوجية والسيزمية، ثم اختيار الأهداف، ثم حفر الآبار، وبعدها التقييم التجاري. وقد تنتهي العملية باكتشاف مهم، كما قد تنتهي بالتخلي عن المقاطع إذا لم تثبت جدواها.
ومن هنا، يجب التعامل مع الإعلان باعتباره فرصة استكشافية لا وعدا بإنتاج قريب. فالبلدان النفطية لا تستفيد من كثرة الرخص وحدها، بل من جودة العقود، وجدية الشركاء، وصرامة برنامج العمل، وقدرة الدولة على متابعة الالتزامات الفنية والمالية.
تفاصيل العقود.. الاختبار الحقيقي لمصلحة موريتانيا
يبقى الاختبار الحقيقي في تفاصيل العقود التي لم يكشف بيان مجلس الوزراء عنها. فالبيان تحدث عن ثلاثة مقاطع بحرية في الحوض الساحلي، لكنه لم يحدد أرقام هذه المقاطع، ولا الجدول الزمني لتوقيع العقود، ولا برنامج العمل المطلوب من الشركتين.
وهنا تبرز أسئلة أساسية: ما الحد الأدنى من الأعمال الملزمة؟ هل يشمل العقد حفر آبار خلال آجال محددة؟ ما حجم الضمانات المالية؟ ما شروط التخلي عن المقاطع في حال عدم تنفيذ الالتزامات؟ وما نصيب الدولة من أي اكتشاف تجاري محتمل؟
كما أن حماية البيئة البحرية والمحتوى المحلي يجب أن يكونا جزءا مركزيا من أي اتفاق. فالمقاطع البحرية ليست مجرد مجال للاستثمار، بل فضاء اقتصادي وبيئي حساس يرتبط بالصيد، والساحل، والسيادة الوطنية، ومستقبل قطاع الطاقة.
بين الطموح والحذر.. كيف تستفيد موريتانيا؟
تحتاج موريتانيا إلى شركاء قادرين على تحمل مخاطر الاستكشاف، خصوصا بعد دخول البلاد مرحلة جديدة مع إنتاج الغاز من مشروع آحميم الكبير. لكن الحاجة إلى الاستثمار لا ينبغي أن تعني التسرع في منح المقاطع أو التساهل في الالتزامات.
فوجود Murphy Oil يمنح الملف ثقلا فنيا وماليا واضحا، بينما تضيف Chariot Energy معرفة إقليمية وقدرة على بناء شراكات، لكنها تظل بحاجة إلى تقييم دقيق لحجم التزاماتها وقدرتها على التنفيذ. وبين الشريك القوي والشريك المرن، يجب أن تكون مصلحة موريتانيا هي مركز العقد، لا مجرد الإعلان عن أسماء دولية.
والخلاصة أن عقود الاستكشاف المرتقبة قد تكون فرصة لإعادة تنشيط الحوض الساحلي الموريتاني وجذب اهتمام جديد إلى المجال النفطي، لكنها ستظل رهانا مفتوحا إلى أن تتضح تفاصيل العقود، وبرامج العمل، والضمانات. فالنفط لا تكتشفه البيانات الرسمية، بل الحفر الجاد، والرقابة الصارمة، والعقود التي تحمي الدولة قبل أن تغري المستثمرين.
احمد الهادي



.jpeg)

.jpeg)