صفقة مستودعات المحروقات في نواكشوط: من مناقصة الإمداد إلى جدل الخبرة وأضرار الخزانات

لم تبدأ الأسئلة المثارة حول مشروع مستودعات المحروقات الجديدة في نواكشوط مع الأضرار التي لحقت بخزانين قيد الإنشاء بفعل الرياح. فالجدل يعود إلى المراحل الأولى لإسناد المشروع، وطريقة دمج بناء منشأة استراتيجية ضخمة داخل عقد لتوريد المحروقات، ثم اختيار شركة جنوب أفريقية لتنفيذ الأشغال، وسط تساؤلات منشورة بشأن خبرتها السابقة في بناء منشآت تخزين مماثلة بهذا الحجم.

واليوم، أعادت الأضرار التي ظهرت في هياكل الخزانات إلى الواجهة أسئلة ظلت مطروحة منذ البداية: كيف أُسندت الصفقة؟ ومن اختار الشركة المنفذة؟ وما المعايير الفنية التي اعتُمدت؟ وهل كانت خبرة المقاول تتناسب فعلاً مع حساسية المشروع وحجمه؟

 

 

مشروع استراتيجي داخل عقد توريد المحروقات

 

تعود بداية المشروع إلى المناقصة الدولية التي أطلقتها لجنة الإشراف على اختيار مورد المحروقات في سبتمبر 2023، بهدف تأمين السوق الموريتانية بالبنزين والكيروسين والغازوال والفيول لمدة عامين، ابتداء من 3 ديسمبر 2023.

لكن المناقصة لم تقتصر على توريد المحروقات، بل تضمنت أيضاً إنشاء قدرات تخزين جديدة في نواكشوط تبلغ 100 ألف متر مكعب. واشترط دفتر المناقصة أن يثبت المتعهد امتلاكه خبرة في إنشاء منشآت تخزين مماثلة بسعة لا تقل عن 100 ألف متر مكعب، أو أن يكون قد أنجزت لمصلحته منشأة مماثلة، أو أن يدخل في تجمع مع شركة تمتلك الخبرة المطلوبة.

وفازت شركة Addax Energy السويسرية بعقد التوريد وإنشاء المستودعات، بعد منافسة مع شركات دولية أخرى. وقدرت مصادر صحفية قيمة مكونة البناء بنحو 36 مليون دولار، بينما تحدثت مصادر أخرى عن قرابة 30 مليون يورو. ولم يُنشر، ضمن المصادر المفتوحة التي أمكن الاطلاع عليها، النص الكامل للعقد أو التفصيل الدقيق لكلفة كل مكون من مكوناته.

ويطرح الجمع بين توريد المحروقات وبناء المستودعات سؤالاً أساسياً: هل كانت المعايير المطبقة على المتنافسين كافية لضمان اختيار مقاول متخصص في منشآت التخزين، أم إن خبرة المورد التجاري سمحت له باختيار مقاول فرعي دون إخضاع هذا الاختيار للقدر نفسه من المنافسة والشفافية؟

 

 

Addax تفوض التنفيذ إلى EPCM Holdings

 

بعد فوز Addax بالعقد، أُسند التنفيذ بنظام الهندسة والتوريد والإنشاء والتسليم الكامل إلى شركة EPCM Holdings الجنوب أفريقية.

وأكدت EPCM بنفسها أنها حصلت على عقد متكامل لإنشاء منشأة تخزين بسعة 100 ألف متر مكعب، تتكون من سبعة خزانات، لصالح عميل أوروبي ينشط في غرب أفريقيا. كما وصفت المشروع بأنه يمثل مرحلة جديدة في نموها وأحد مشاريعها الرئيسية.

وبحسب الشركة الموريتانية للمحروقات، يتكون المشروع من:

- ثلاثة خزانات للغازوال بسعة إجمالية قدرها 51 مليون لتر؛

- خزانين للفيول بسعة 34 مليون لتر؛

- خزان للبنزين بسعة 10 ملايين لتر؛

- خزان للكيروسين بسعة 5 ملايين لتر.

 

وبذلك تبلغ السعة الإجمالية 100 مليون لتر، أي 100 ألف متر مكعب.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المشروع ليس مجرد توسعة محدودة، وإنما بنية تحتية استراتيجية يفترض أن ترفع قدرة البلاد على مواجهة اضطرابات الاستيراد وتأمين احتياجات السوق لفترة أطول.

 

 

من هي EPCM Holdings؟

 

تعرف EPCM Holdings نفسها بوصفها شركة هندسة وتوريد وإنشاء تقدم خدمات متكاملة في قطاعات النفط والغاز والطاقة والبنية التحتية. ولها أعمال في الدراسات الهندسية وإعادة التأهيل والاستشارات وإنجاز منشآت صناعية في عدة بلدان أفريقية.

وتظهر سجلات منشورة أن الشركة فازت، قبل المشروع الموريتاني، بعقد في جنوب أفريقيا لتصميم وإنشاء منشأة لتخزين زيت الوقود الثقيل، تتكون من خزانين بسعة إجمالية تبلغ 36 ألف متر مكعب، إضافة إلى خطوط الأنابيب والمنشآت الملحقة.

لكن الجدل في موريتانيا لم يتعلق بانعدام أي تجربة لدى الشركة، بل بمدى امتلاكها سجلاً مثبتاً في إنجاز مستودع متكامل للمحروقات بسعة 100 ألف متر مكعب، وفق المعايير التي وردت أصلاً في مناقصة التوريد والبناء.

 

 

جدل الخبرة

 

في مايو 2025، نشر موقع «إميرجنس موريتانيا» مادة أثارت تساؤلات مباشرة حول اختيار EPCM، وقال إن الشركة لم تكن قد سلمت مشروعاً لتخزين المحروقات بحجم مماثل للمشروع الموريتاني.

وذكر التحقيق أن المشروع المماثل الوحيد الذي أمكن توثيقه للشركة كان يتعلق بخزان بسعة 10 آلاف متر مكعب في جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا يزال قيد الإنجاز، وأن غالبية مراجعها الأخرى كانت مرتبطة بالدراسات وإعادة التأهيل والخدمات الاستشارية، وليس ببناء مستودع كامل بسعة 100 ألف متر مكعب.

هذه المعطيات تمثل ادعاءات صحفية منشورة وليست حكماً فنياً نهائياً. ولم نعثر على رد علني مفصل من EPCM أو Addax يشرح قائمة المشاريع المرجعية التي جرى على أساسها تأهيل الشركة واختيارها لتنفيذ المشروع الموريتاني.

وفي المقابل، تقول EPCM إنها نفذت أو حصلت خلال السنوات الأخيرة على عدة مشاريع بنية تحتية مشابهة، وإن مشروع موريتانيا يأتي امتداداً لأعمالها في أفريقيا الناطقة بالفرنسية. لكنها لم تنشر، في إعلانها المتعلق بموريتانيا، قائمة مفصلة بأسماء تلك المنشآت وسعاتها وتواريخ تسليمها.

وهنا توجد نقطة جوهرية تحتاج إلى توضيح رسمي: هل انطبق شرط الخبرة في منشأة تخزين بسعة 100 ألف متر مكعب على Addax بصفتها المتعهد الرئيسي، أم على EPCM بصفتها المقاول المنفذ؟ وهل حصلت الجهة المشرفة على قائمة المراجع الفنية للمقاول الفرعي وراجعتها قبل بدء الأشغال؟

 

 

أطراف متعددة ومسؤوليات غير واضحة للرأي العام

 

تكشف المعلومات الرسمية عن تعدد الجهات المشاركة في المشروع:

 

- Addax Energy بصفتها الفائز بعقد الإمداد وصاحبة الدور في تنفيذ التوسعة؛

- الشركة الموريتانية للمحروقات SMH بوصفها الجهة الوطنية المرتبطة بمنشأة التخزين؛

- EPCM Holdings بصفتها مقاول الهندسة والتوريد والإنشاء؛

- شركات ومكاتب هندسية شاركت في دراسات السلامة والمخاطر والفحوص الجيوتقنية.

 

وتقول الموريتانية للمحروقات SMH إن دراسة أولية للمخاطر وقابلية التشغيل، المعروفة باسم HAZOP، نُظمت في أكتوبر 2024 بمشاركة مهندسين من SMH وIPS وEKIUM وAddax وEPCM، بهدف تحديد المخاطر المحتملة وضمان سلامة المنشآت وموثوقيتها. كما ذكرت أن شركة Magma أجرت الدراسات الجيوتقنية لتحليل خصائص التربة والأساسات.

وجود هذه الدراسات مهم، لكنه يجعل نشر نتائج التحقيق في الأضرار الحالية أكثر إلحاحاً. فإذا كانت خصائص التربة والأحمال والمخاطر المناخية قد دُرست مسبقاً، فإن من الضروري تحديد ما إذا كان الضرر ناجماً عن خلل في التصميم، أو ضعف في التدعيم المؤقت أثناء التركيب، أو قصور في التنفيذ، أو حدث جوي استثنائي تجاوز فرضيات التصميم.

 

 

التأخير كان مثار قلق قبل وقوع الأضرار

 

قبل حادثة الخزانات، كانت الحكومة قد أبدت قلقاً بشأن وتيرة تنفيذ المشروع. ففي أبريل 2026، طالب وزير الطاقة والنفط محمد ولد خالد باحترام الآجال التعاقدية وتسريع الأشغال وتجاوز العقبات الفنية واللوجستية، خلال زيارة للموقع.

وتعني هذه التصريحات أن المشروع كان يواجه بالفعل ضغوطاً مرتبطة بجدول الإنجاز. ويصبح السؤال مشروعاً حول ما إذا كانت المطالبة بتسريع الأشغال قد رافقها تعزيز مماثل للرقابة الفنية، أم أن ضغط الآجال كان يمكن أن يؤثر في تسلسل عمليات التركيب والتدعيم والاختبارات.

ولا توجد حالياً أدلة تسمح بالقول إن الاستعجال تسبب في الأضرار، لكن التزامن بين التأخر، والدعوة إلى تسريع الأشغال، ثم تضرر أجزاء من المشروع، يستوجب فحصاً مستقلاً بعيداً عن الشركة المنفذة والجهة صاحبة العقد.

 

 

 الرياح تعيد الجدل إلى نقطة البداية

 

بعد الأضرار التي لحقت بخزانين، قالت وزارة الطاقة إن سرعة الرياح تجاوزت 80 كيلومتراً في الساعة، وإن الخزانات المتضررة لم تكن قد وصلت إلى مرحلة التسقيف. وأضافت أن الشركة ستتحمل تكاليف الإصلاح، ولن تترتب على الدولة أعباء مالية إضافية.

لكن المسؤولية لا يمكن اختزالها في تحديد الجهة التي ستدفع ثمن الإصلاح. فالمشكلة الأساسية تتعلق بسلامة التصميم والتنفيذ وقدرة منشأة استراتيجية على مقاومة الظروف المناخية المتوقعة، أثناء البناء وبعد التشغيل.

كما أن رقم 80 كيلومتراً في الساعة يحتاج إلى تأكيد من الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية من خلال نشر قياسات المحطات أو الهبات المسجلة في موقع المشروع. فالبيانات الجوية العامة المتاحة لنواكشوط كانت تشير إلى سرعات أقل، مع احتمال وجود هبات محلية أقوى لم تظهر في قواعد البيانات المفتوحة. لذلك لا ينبغي اعتماد رقم الوزارة باعتباره حقيقة نهائية قبل نشر مصدر القياس وتوقيته وموقعه.

والسؤال الهندسي ليس فقط: هل كانت الرياح قوية؟ بل أيضاً: هل كانت هياكل الخزانات في تلك المرحلة مثبتة ومدعمة بالطريقة التي تفرضها قواعد البناء؟ وهل تتضمن خطة التنفيذ تدابير خاصة لمقاومة الرياح قبل اكتمال السقف والهيكل النهائي؟

 

 

هل المشكلة في الصفقة أم في التنفيذ؟

 

لا يمكن حتى الآن الجزم بأن الصفقة شابها فساد، أو أن الشركة غير مؤهلة قانونياً، أو أن الأضرار ناتجة عن غش في المواد. مثل هذه الاستنتاجات تتطلب وثائق العقد وتقارير المراقبة وتحقيقاً فنياً.

لكن الوقائع المتاحة تكشف عن ثلاث مناطق غموض:

 

أولاً، لم تُنشر تفاصيل كافية حول الطريقة التي اختيرت بها EPCM من طرف Addax، ولا المعايير التي استند إليها الاختيار.

 

ثانياً، لم يُكشف للرأي العام عن قائمة المشاريع المرجعية التي أثبتت أهلية المقاول لتنفيذ منشأة بسعة 100 ألف متر مكعب، رغم أن الخبرة في منشآت مماثلة كانت شرطاً واضحاً في المناقصة الأصلية.

 

ثالثاً، لا تزال العلاقة التعاقدية بين الوزارة وSMH وAddax وEPCM ومكاتب المراقبة غير واضحة بما يكفي لتحديد المسؤوليات الفنية والقانونية في حال وجود تأخير أو عيوب أو أضرار.

 

 

مسؤولية الوزير لا تنتهي عند إلزام الشركة بالإصلاح

 

حتى عندما يتحمل المقاول كلفة الإصلاح، تبقى المسؤولية السياسية والرقابية قائمة. فالوزير مسؤول عن حماية المصلحة العامة، وضمان احترام العقود والمواصفات، والتأكد من أن المنشأة ستكون صالحة وآمنة عند تشغيلها.

ولا يكفي في مشروع بهذه الحساسية الاعتماد على تقرير تعده الشركة المنفذة أو صاحب العقد. المطلوب خبرة مستقلة تضم مهندسين متخصصين في خزانات المحروقات، وهندسة الرياح، والأساسات المعدنية، والسلامة الصناعية.

كما ينبغي إخضاع بقية الخزانات للفحص، لأن تضرر خزانين قد يكون حادثاً موضعياً، لكنه قد يكشف أيضاً عن مشكلة مشتركة في طريقة التركيب أو التدعيم أو التصميم.

 

 

صفقة تحتاج إلى الشفافية

 

مشروع توسعة مخزون المحروقات ضرورة استراتيجية لموريتانيا، خصوصاً في ظل اعتماد البلاد الكبير على الواردات وتقلب الأسواق الدولية. ولا ينبغي أن يتحول الجدل إلى رفض للمشروع نفسه أو إلى إدانة مسبقة لكل الأطراف.

لكن الأهمية الاستراتيجية للمشروع هي بالضبط ما يجعل الشفافية واجبة. فكلما كانت المنشأة أكثر حساسية، وجب أن تكون إجراءات إسنادها ومراقبتها أكثر وضوحاً.

لقد بدأت القصة بمناقصة تجمع بين توريد الوقود وبناء المستودعات، ثم انتقل التنفيذ إلى شركة جنوب أفريقية أثيرت تساؤلات حول حجم خبرتها، قبل أن تواجه الأشغال تأخراً وضغوطاً لتسريعها، وأخيراً أضراراً أعادت فتح الملف كاملاً.

وحتى تنشر العقود والمراجع الفنية ونتائج التحقيق، سيظل السؤال قائماً:

هل كانت أضرار الخزانات مجرد حادث عابر في ورشة لم تكتمل، أم إنها أول علامة ملموسة على المخاوف التي أثيرت منذ إسناد الصفقة؟

 

مولاي ولد سيد احمد

أربعاء, 22/07/2026 - 11:13