هزة داخل حزب “جمع”.. هل بدأ المشروع الذي جمع الإسلاميين والقوميين يتفكك؟

بعد أقل من عام على حصول حزب جبهة المواطنة والعدالة (جمع) على الترخيص، يبدو أن الحزب الذي قُدم عند تأسيسه باعتباره تجربة سياسية جديدة قادرة على جمع تيارات متباينة، يواجه أول أزمة تنظيمية كبيرة قد تطرح تساؤلات حول قدرته على الحفاظ على تماسكه الداخلي.

 

فالحزب الذي تأسس بقيادة الرئيس السابق لحزب تواصل جميل ولد منصور، واستقطب شخصيات إسلامية وقومية وناصرية وبعثية ويسارية ومستقلين، بدعم سياسي غير معلن من أطراف في السلطة، كان يُنظر إليه باعتباره محاولة لإعادة تشكيل جزء من المشهد السياسي خارج الاصطفافات التقليدية. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن التناقضات التي رافقت ميلاده بدأت تظهر إلى السطح.

 

 

من “الجامع” إلى الانقسام

 

كان الرهان الأساسي عند تأسيس “جمع” يقوم على جمع مدارس فكرية طالما فرقتها الخلافات الإيديولوجية؛ إسلاميون انسحبوا من حزب تواصل مع جميل ولد منصور، إلى جانب شخصيات ناصرية وبعثية وقومية ويساريين ومستقلين، تحت عنوان المواطنة والعدالة.

 

لكن هذا التنوع، الذي اعتُبر في البداية نقطة قوة، تحول مع مرور الوقت إلى مصدر توتر، خصوصًا مع اختلاف التصورات حول هوية الحزب وأولوياته وعلاقته بالسلطة.

 

 

انسحابات متتالية

 

 

الأزمة الحالية ليست الأولى.

فخلال الأشهر الماضية، غادر عدد من الوجوه المحسوبة على التيار الناصري، وهو ما دفع بعض المراقبين آنذاك إلى الحديث عن بداية اهتزاز التوازنات التي قام عليها الحزب.

 

واليوم، جاء إعلان مجموعة من القيادات المحسوبة على التيارين  الإسلامي والبعثي انسحابها، ليعزز الانطباع بأن المشروع يفقد تدريجيًا أحد أهم مكوناته.

 

 

انتقادات غير مسبوقة

 

البيان الذي وقعه أكثر من ثلاثين قيادياً وعضواً لم يكتف بإعلان الانسحاب، بل قدم تشخيصاً حاداً لأسباب الأزمة.

 

واتهم الموقعون قيادة الحزب بالابتعاد عن المبادئ التي تأسس عليها، من خلال:

 

-تغليب الاعتبارات الفئوية والشرائحية على الخطاب الوطني الجامع.

-اعتماد معالجة انتقائية لبعض القضايا الوطنية.

-إضعاف المؤسسية وتركيز القرار داخل القيادة.

-صدور مواقف، بحسب البيان، أحدثت التباساً بشأن تموقع الحزب داخل الأغلبية الداعمة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

 

ويكتسب هذا البيان أهمية خاصة لأن من بين الموقعين نواباً لرئيس الحزب، وأعضاء في المكتب السياسي، واللجنة الدائمة، والمجلس الوطني، وعدداً من المؤسسين، ما يجعل الأمر يتجاوز مجرد استقالات فردية.

 

 

أزمة هوية

 

منذ البداية، واجه الحزب سؤالاً لم يُحسم بصورة نهائية: هل هو حزب أغلبية داعم للسلطة؟ أم مشروع إصلاحي مستقل؟ أم امتداد سياسي لتيار إسلامي سابق في ثوب جديد؟

 

هذا الغموض سمح في البداية باستقطاب شخصيات من خلفيات مختلفة، لكنه تحول لاحقاً إلى أحد عوامل الخلاف داخل الحزب، مع اختلاف تقييم كل تيار لطبيعة العلاقة مع السلطة وحدود الدعم الذي ينبغي تقديمه لها.

 

 

ماذا بعد؟

 

من المبكر الحديث عن انهيار الحزب، لكنه يواجه بلا شك أكبر اختبار منذ تأسيسه.

 

فإذا استمرت موجة الانسحابات، فإن الحزب قد يفقد إحدى أهم ميزاته، وهي قدرته على تقديم نفسه باعتباره إطاراً يجمع تيارات فكرية متعددة تحت سقف سياسي واحد.

 

وفي المقابل، يبقى الرهان أمام قيادة جميل ولد منصور هو احتواء الأزمة، وإعادة بناء الثقة داخل الحزب، وتوضيح هويته السياسية وخطه التنظيمي، بما يسمح بالحفاظ على المشروع الذي انطلق قبل عام باعتباره محاولة لإعادة رسم جزء من الخريطة السياسية الموريتانية.

 

ويبقى السؤال المطروح: هل ما يشهده “جمع” مجرد أزمة عابرة ترافق الأحزاب الجديدة، أم أنه بداية تفكك مشروع سياسي وُلد من تحالف بين تيارات مختلفة أكثر مما وُلد من رؤية سياسية موحدة؟

 

مولاي سيد احمد

أحد, 26/07/2026 - 20:46