الدبلوماسية الموريتانية… بين متطلبات الدولة وإرث الممارسة

إن المتأمل في واقع الدبلوماسية الموريتانية يلاحظ أن الفجوة ما تزال واسعة بين ما تتيحه البلاد من فرص وما تعكسه بعثاتها الدبلوماسية من حضور وتأثير.

أولى الإشكالات تكمن في طبيعة إدارة السلك الدبلوماسي. فالتعيين في بعض المواقع الخارجية لا يزال يُنظر إليه، في كثير من الأحيان، باعتباره تتويجًا لمسار إداري أو سياسي، أو وسيلة لتسوية اعتبارات داخلية، أكثر من كونه تكليفًا بمهمة سيادية تتطلب خبرة متخصصة في العلاقات الدولية والتفاوض والاقتصاد والاتصال. والنتيجة أن بعض البعثات تكتفي بإدارة الأعمال اليومية، دون أن تتحول إلى أدوات فاعلة للدفاع عن المصالح الوطنية أو استباق التحولات الدولية.

كما أن الدبلوماسية الموريتانية تبدو، في كثير من الأحيان، أسيرة المفهوم التقليدي للعمل الدبلوماسي، القائم على البروتوكول والتمثيل الرسمي. بينما تغير العالم بصورة جذرية، وأصبحت المنافسة بين الدول تدور حول استقطاب الاستثمارات، وتسويق الفرص الاقتصادية، والتأثير في وسائل الإعلام ومراكز التفكير، وبناء شبكات النفوذ داخل المؤسسات الدولية.

ولعل أبرز مظاهر هذا القصور هو ضعف الحضور الموريتاني في النقاشات الدولية الكبرى. فموريتانيا أصبحت دولة منتجة للغاز، وتملك واحدًا من أغنى الأحواض المعدنية في إفريقيا، وتحتل موقعًا استراتيجيًا يربط شمال القارة بغربها، وتتمتع باستقرار نسبي في محيط إقليمي مضطرب. ومع ذلك، لا تزال هذه المقومات لا تنعكس بالشكل الكافي على صورة البلاد في الخارج، ولا على قدرتها في استقطاب الاستثمارات أو فرض حضورها في دوائر صنع القرار.

وتبرز هذه المحدودية أيضًا في إدارة بعض المواقف الدبلوماسية الحساسة، حيث يجد ممثلو الدولة أنفسهم أحيانًا في مواقف دفاعية كان بالإمكان تجنبها بحسن تقدير المشاركة، أو الإعداد المسبق، أو قراءة السياقات السياسية والإعلامية المحيطة بالفعاليات الدولية. فالدبلوماسية لا تُقاس فقط بسلامة الردود، وإنما كذلك بحسن اختيار ساحات الحضور، وتقدير المخاطر، وتفادي الوقوع في مواقف يمكن أن تفرض على الدولة سجالات غير ضرورية.

كما أن الدبلوماسية الحديثة أصبحت تعتمد على ما يعرف بـ”القوة الناعمة”، من خلال الإعلام، والثقافة، والجامعات، والاقتصاد، والاتصال الرقمي. وفي هذا المجال، ما تزال موريتانيا تفتقر إلى استراتيجية متكاملة للتعريف بفرصها الاقتصادية، وتسويق صورتها، والتواصل مع الرأي العام الدولي. فكثير من السفارات لا تمتلك حضورًا إعلاميًا مؤثرًا، ولا تنظم أنشطة اقتصادية وثقافية منتظمة، ولا تبني شراكات مع مراكز البحث والجامعات والمؤسسات المؤثرة في البلدان المضيفة.

إن إصلاح الدبلوماسية لا يبدأ بتغيير الأشخاص فقط، بل بإعادة تعريف وظيفة السفير والبعثة الدبلوماسية. فالسفير اليوم ينبغي أن يكون مفاوضًا، ومسوقًا للاستثمار، ومديرًا للاتصال، وخبيرًا في الاقتصاد والسياسة الدولية، لا مجرد ممثل بروتوكولي للدولة.

ولذلك، فإن تطوير الدبلوماسية الموريتانية يقتضي اعتماد الكفاءة والخبرة معيارًا للتعيين، وتكوينًا مستمرًا للدبلوماسيين، وتزويد البعثات بالإمكانات البشرية والمالية اللازمة، وربط أدائها بمؤشرات واضحة تقيس قدرتها على جذب الاستثمارات، وتعزيز التعاون، والدفاع عن مصالح البلاد، وتحسين صورتها في الخارج.

وفي عالم تتنافس فيه الدول على النفوذ قبل الموارد، لم يعد كافيًا أن تمتلك موريتانيا الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية والاستقرار النسبي؛ بل عليها أن تمتلك أيضًا دبلوماسية قادرة على تحويل هذه المقومات إلى نفوذ سياسي واقتصادي حقيقي. فالدول لا تُقاس بما تملك فقط، وإنما بقدرتها على إقناع العالم بقيمة ما تملك، والدبلوماسية هي الأداة الأولى لتحقيق ذلك.

 

مولاي ولد سيد احمد 

أربعاء, 29/07/2026 - 23:02