السيد غاديو وجغرافيا الهذيان

ثمة دبلوماسيون يصنعون التاريخ. ثم هناك السيد غاديو، وزير الخارجية السنغالي الأسبق، الذي اختار في الأيام الأخيرة أن يفعل شيئًا آخر: أن يعيد رسم خريطة إفريقيا بقلم أحمر وبثقة كبيرة.

فبحسب ما قاله، عن علم وبكل جرأة، فإن حدود المملكة المغربية تمتد حتى نهر السنغال. ضربة ممحاة على عام 1956، وخط يُشطب به على الصحراء، ونسيان لموريتانيا، وإذا بنا أمام مغرب عربي جديد يُقدَّم مباشرة على شاشة التلفزيون. وهذا ما يسمى جهلًا تامًا بالتاريخ، أو تجاهلًا واضحًا لدور الدبلوماسية.

هنا تكمن مشكلة ثرثار لا ينضب كلامه، يبحث عن وظيفة. انظروا إليه: الميكروفون مفتوح، والحركات واسعة، واليقين صلب كالغرانيت. السيد غاديو يتحدث. يتحدث كثيرًا. يتحدث دائمًا. وهو من أولئك الذين يخلطون بين ارتفاع الصوت والحقيقة، وبين الاستعراض والكفاءة. ومنذ أن غادر «كي دورسي» دكار، وهو يبحث بيأس عن منبر، أي منبر. وبما أنه لم تعد لديه ملفات يديرها، فقد أخذ يتصدى لملفات الآخرين.

لكن الدبلوماسية، يا سيد غاديو، ليست عرضًا كوميديًا. فلا يصعد المرء إلى المنصة ليمرر مغالطة تاريخية ثم يغادر وسط التصفيق. الدبلوماسية ذاكرة ودقة واحترام للمعاهدات؛ ثلاثة أمور يبدو أنك تفتقر إليها بشدة.

السيد غاديو، نذكرك بما يلي:

موريتانيا ليست إقليمًا تابعًا للمغرب. إنها جمهورية ذات سيادة منذ عام 1960، ولها حدود معترف بها من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومن السنغال نفسها. وهي حدود تمتد من الرأس الأبيض إلى بوغي، ولا «تتوقف» في مكان ما وفق مزاج المعلق.

أما المغرب فقد استعاد أقاليمه الجنوبية عام 1975. ولم يكن نهر السنغال يومًا حدودًا مغربية. والقول بذلك يعني إما عدم معرفة أي شيء عن ملف الصحراء، وإما اختيار تجاهله من أجل إثارة الضجة. وفي الحالتين، فإن الأمر خطير بالنسبة لوزير خارجية سابق.

لقد دفعت موريتانيا ثمنًا باهظًا مقابل حيادها وسلامها. واختارت ألا تكون ساحة حرب، وأمّنت حدودها، ومدت يدها للجميع. ومهاجمتها بمغالطات جغرافية هو إساءة إلى علاقات حسن الجوار.

ويستخلص مما سبق أن الأمر الأكثر إثارة للقلق ليس الخطأ في حد ذاته؛ فالجميع قد يخطئ في تاريخ ما. الأخطر هو تلك النية التي تستمد قوتها من خطاب متخم بالكلمات.

فعندما ينقل السيد غاديو حدود المغرب إلى نهر السنغال، فإنه لا يخطئ فحسب، بل يستفز. إنه يصب الزيت على نار لن يكون مطالبًا بإطفائها. ويضع الرباط في مواجهة نواكشوط، ويزرع الالتباس في دكار، ويقدم الحجج لأعداء الاستقرار في منطقة الساحل.

ذلك هو الدبلوماسي غير المسؤول: وزير سابق يبحث عن الأضواء فيشعل النار.

غالي الصوفي
ضابط سامٍ متقاعد

جمعة, 31/07/2026 - 14:30