حبٌ في زمن المانيفستو: عن النضال الذي قتله الموظف الحكومي

في نواكشوط، حيث الرملُ لا يحفظ الآثار، وحيث الريحُ تكنس الخطواتِ قبل أن تكتمل، جَلَسَ أولي الحلمِ يوماً تحت سقف الخيمة، وظنوا أن الصحراء تتسع لخرائط العالم. لم تكن المدينة سوى بضعة بيوتٍ من صفيحٍ وقماش، لكن العقول كانت مكتظةً ببغداد والقاهرة وموسكو ورئتي ماو تسي تونغ.
​يا لهذا الشجن الموريتاني القديم؛ كيف يتجمع الحزن في بلادٍ كلما صرخ فيها شابٌ يريد تغيير العالم، أجابته الريحُ بصدى القبيلة!
​ثلاثُ جنازاتٍ ناعمة تشيعُ اليوم على مهل، كانت بالأمس ثلاث ثورات. مروا من هنا، وتركوا على الرمل مجلداتٍ من البيان الأول، ثم انصرفوا إلى صالونات المتقاعدين.
​أولاً: الكادحون... مرثية الأحمر في بلاد البياض
​كانوا أول من بَكى على الطبقة التي لا تعرف أنها طبقة. في أواخر الستينيات، ارتدى الفتيات والفتيان قمصان الماركسية والماوية، وأسسوا "الحركة الوطنية الديمقراطية". يتقدمهم مصطفى ولد بدر الدين ومحمد الحافظ ولد إسماعيل ورفاقهم الذين حلموا ببروليتاريا تخيط زياً أحمر للصحراء.
​في زويرات عام 1968، سال الدم فوق حديد المناجم، فكان ذلك تعميداً قادماً من الألم. كتبوا بياناتهم بالفرنسية والعربية، وقرأوا "كابيتال" ماركس على ضوء الشموع، لكن الرئيس المختار ولد داداه—أبو الدولة وعرّاب دنائسها الحكيمة—كان يعرف أن أسهل طريقة لقتل الثائر ليست بسجنه، بل بسرقة فكرته!
​في السبعينيات، أمَّم ولد داداه شركة "ميفيرما" الفرنسية، وسَكَّ "الأوقية"، ورَفَعَ العلم الوطني فوق جامعة الدول العربية. فبكى الكادحون سروراً وحيرة؛ كيف تعادي سلطةً تنفذُ برنامجك؟ وهناك، سقطوا في فخ "الدعم النقداني". انقسمت الحركة؛ دخل بعضهم عباءة "حزب الشعب" الحاكم، واحتفظ الآخرون بالرفض، حتى جاء جفاف الأرض وانقلاب العسكريين عام 1978، فتبدد الحلم الراديكالي كغبارٍ في الهجير.
​ما تبقى منهم اليوم:
ما تبقى هو حزب اتحاد قوى التقدم (UFP). يسارٌ وقور، يرتدي بذلة المعارضة الناعمة، يمارس النقد تحت قبة البرلمان، ويشاهد بأسى شيخوخة قواعده، بينما تحوَّل الثوار الذين هزوا الشارع يوماً إلى حكماء يستقبلون الوفود ويتقنون لغة التفاوض المنسكبة كالماء الفاتر.
​ثانياً: الناصريون... الحنين إلى صوتٍ يأتي من النيل
​على جبهةٍ أخرى، كان الشغفُ آتياً عبر المحيط العالي لـ "صوت العرب". لم يكن الناصريون تنظيمًا حديديًا، بل كانوا "عُشّاقاً". أخذهم صوت جمال عبد الناصر إلى إيمان صوفي بأن هذه الصحراء مقطوعة من جسد الأمة العربية، وأن الواجب يقتضي إعادتها إلى أصلها.
​خاضوا المعارك الثقافية في السبعينيات والثمانينيات. اصطدموا مع "الكادحين" لأن اليسار يرى الصراع طبقات، بينما الناصري يراه هوية وأمة. واصطدموا مع الفرنكوفونيين في معارك التعريب الرهيبة. لكن خطأ الناصريين التراجيدي كان في قلبهم الفياض؛ كان لديهم جمهورٌ عريض من المعلمين والطلاب، لكنهم لم يَبْنوا "قلعةً تنظيمية" تُحصنهم من تقلبات الفصول.
​وعندما اعتلى معاوية ولد سيد أحمد الطايع عرش السلطة، فتح الإدارة للجميع. فتح أبواب الوزارات والإعلام والتعليم، فدخل الناصريون زرافات ووحداناً. استوعبتهم الدولة، وحوّلت غضبهم القومي إلى وظائف برواتب ثابتة.
​ما تبقى منهم اليوم:
لم يستطع الناصريون إنتاج حزبٍ سياسي يحمل اسمهم إلى اليوم. ذابوا في أحشاء السلطة، وتوزعوا في حزب الإنصاف (الحاكم) وفي زوايا الإدارة. لم يتبقّ من حلمهم القومي سوى كلمة تُقال في مهرجان تضامني مع فلسطين، أو دمعة صامتة تسقط من عين مسؤول حكومي سابق، كلما مرّت بالصدفة أغنية لـ "أم كلثوم" تجسد زمناً كان فيه العرب يُصدّقون أنهم سيهزمون الهزيمة.
​ثالثاً: البعثيون... الغرباء الذين ماتت بغدادهم
​أمّا البعثيون، فكانوا قصةً أخرى من القسوة والانضباط. لم يكونوا أهل وجدان كالناصريين، بل كانوا رجال عقيدةٍ وحزب سرّي. اتجهت عيونهم نحو دجلة، وأسسوا حزب البعث العربي الاشتراكي تحت قيادة مفكرين أصلاب، كان أبرزهم العقل المدبر محمد يحظيه ولد بريد الليل.
​ذاق البعثيون الموريتانيون العذاب ألواناً. جُرفوا إلى سجون "لعيون" وغياهب الصحراء في الثمانينيات والتسعينيات. كان نظام ولد الطايع يخافهم بشكل مرضي؛ يرى في كل محاولة انقلابية أثراً لأصابع بغداد، ويخشى تنظيمهم الدقيق داخل الجيش والمؤسسات. جُرّوا إلى المحاكمات بتهم التآمر والتخابر، وصمدوا في العتمة كما تصمد الحجارة.
​لكن السيف الذي قطع حبل الوريد لم يُصنع في نواكشوط، بل نزل في بغداد عام 2003. بسقوط صدام حسين، لم يفقد البعثيون الموريتانيون ظهيراً سياسياً فحسب، بل فقدوا الكعبة الفكرية التي كانوا يطوفون حولها.
​ما تبقى منهم اليوم (المفارقة المأساوية):
إعادة البعثيين لإنتاج أنفسهم كانت أغرب حكايات الصحراء. أسسوا حزب الصواب، وفي لحظة واقعية سياسية قاسية، تحالف الحزب القومي  مع حركة "إيرا" الحقوقية بزعامة بيرام ولد الداه ولد أعبيد—وهي الحركة الأكثر راديكالية في الدفاع عن حقوق "لحراطين" .
تأمل هذا الحزن التاريخي: كيف التقت القومية العربية المحافظة مع الخطاب الحقوقي الفئوي الثائر؟ إنه زواج الضرورة الانتخابية، حيث يقف البعثي والحقوقي تحت سقف برلماني واحد، يبتسمان للكاميرا، بينما يُمرر التاريخ سخريته المرّة في الخفاء.
​التشريح التاريخي: كيف هزمت الخيمةُ الكتاب؟
​إن قراءة السيرة الذاتية لهؤلاء الشهداء والأحياء في موريتانيا، تكشف عن ثلاثة سكاكين ذبحت الثورة على مهل:
​القبيلة التي لا تموت:
كلما كتب الشاب الموريتاني بياناً ثورياً يلغي فيه الفوارق الطبقية والعرقية، ذهب في المساء إلى "كعدة" القبيلة. وعندما تشتد الأزمات الأمنية أو تأتي المواعيد الانتخابية، يكتشف الجميع أن اسم العشيرة أسمكُ من غلاف كتاب "رأس المال"، وأقوى من شلّة "البعث".
​عبقرية السلطة في الابتلاع:
لم تكن الأنظمة الموريتانية غشيمة. كانت تمارس "التجريد الفكري". كلما رأت شعاراً يجمع الناس حول المعارضة (كالتعريب، أو تأميم الثروات، أو قطع العلاقات مع إسرائيل)، سارعت السلطة إلى تطبيقه بقرار جمهوري، وتعيين قيادات الحركيين في مناصب سامية. وهكذا تُفرّغ الحركة من محتواها، ويتحول القائد الملاحَق إلى مدير عام يستقبل المراجعين!
​ميتم العواصم:
كانت هذه التيارات تعيش على الشريان الإقليمي. فلما سقط الاتحاد السوفيتي، ومات عبد الناصر، وشُنق صدام حسين، استيقظ المناضلون الموريتانيون ليجدوا أنفسهم أيتاماً في صحراء قاحلة، لا أحد يرسل لهم البيانات أو التمويل أو الأمل.
​الخاتمة: حكمة الشيب في أزقة نواكشوط
​إنها قصة حزينة جداً، لكنها صادقة كصحراء أدرار.
بدأت بعقولٍ اشتعلت حماساً في الستينيات، وأجسادٍ زُفت إلى السجون، وشعاراتٍ خُطت بالدم على جدران المدارس. وانتهت بتقاعد مريح، وخطابات متزنة، ومقاعد معدودة في البرلمان، وتحالفات هشة تُدار بـ "الحسنى".
​يمشي الشيخ الآن في شوارع نواكشوط، يتكئ على عصاه أو على ذكرياته، ينظر إلى الشباب الجدد الغارقين في الهواتف الذكية، ويهمس لنفسه بحزنٍ.

 

رملة سيد احمد

تدوينة اليوم

خميس, 20/08/2026 - 20:14