
نظم بيت الشعر- نواكشوط مساء اليوم الخميس 20 أغسطس 2026 ندوة من "مقاربات نقدية"، حول موضوع "التداولية في التقد الأدبي" وقد استضافت الندوة الدكتورين : عبد الرحمن أخيارهم ومحمد قاىي، وقدم لها الأستاذ الدكتور عبد الله السيد مدير بيت الشعر.
في مستهل الندوة قدم البروفيسير عبد الله السيد لمحة عامة عن ظهور التداولية كاتجاه نقدي في الأدب العربي وتطور اصطلاحاته الترجمية من النفعية والذرائعية ليستقر الاصطلاح التداولي لاحقا مع طه عبد الرحمن الذي أرسى المصطلح والمفهوم في الفكر العربي المعاصر استنادا إلى الجذور التراثية للمعارف الإنسانية العربية، مستعرضا سيرة الضيفين وإسهاماتهما الثقافية.
البداية كانت مع الدكتور عبد الرحمن أخيارهم، أستاذ اللسانيات بالمعهد العالي للغات والترجمة والترجمة الفورية في نواذيبو، حاصل على دكتوراه في تخصص اللسانيات العربية والإعداد اللغوي من جامعة ابن طفيل بالمملكة المغربية سنة 2017، وقد انصرف في مساره الأكاديمي إلى قضايا اللغة العربية المعاصرة، ولا سيما المعجم والقواميس، والنحت اللغوي، والتعريفات القاموسية، وتطور اللغة، وله إسهامات بحثية منشورة في مجلات علمية محكمة، تناولت أنماط النحت في العربية المعاصرة، والدرس المعجمي عند الشنقيطي، والنحت في اللغة العربية قديما وحديثا، والأسس النظرية للتعريفات القاموسية، وقراءة التعريفات في المعاجم العربية المعاصرة، ومظاهر اللهجات العربية القديمة في القراءات القرآنية.
وتناولت محاضرته «إسهام التداولية في تحليل الخطاب الأدبي» موقع التداولية في مجال النقد الأدبي وما أتاحته من إمكانات جديدة في قراءة النصوص الأدبية وتحليلها، منطلقا من التطور الذي عرفته اللسانيات الحديثة؛ من الاهتمام بالعلاقات التاريخية بين اللغات، إلى دراسة بنية اللغة ومكوناتها إلى اتساع دائرة الدرس النقدي مع ظهور اللسانيات التداولية، التي لم تعد تنظر إلى اللغة باعتبارها بنية مجردة، وإنما بوصفها فعلا للاستعمال والتواصل، وسير التحليل التداولي للنصوص الأدبية بوصفه مقاربة تتجاوز حدود البنية اللغوية إلى دراسة ما ينجزه القول في سياقه التلفظي مبرزا أوجه التقاطع بين اللسانيات والنقد الأدبي واستعراض أهم النظريات والمفاهيم التداولية التي أسهمت في تطوير القراءة الأدبية.
وكشفت المقاربة عدم اقتصار النص الأدبي على المعنى الظاهر الذي تشكله بنيته اللغوية، بل يتضمن أفعالا ومقاصد وحججا تتفاعل مع السياق والمتلقي، يجعل التداولية أداة للكشف عن مستويات الخطاب، وبيان كيفية انتقال القول من رص للجمل إلى فعل للتواصل يحمل مقاصد محددة تؤثر على المتلقي، إذ أن الإفادة من التداولية في النقد الأدبي لا تعني إلغاء المقاربات اللغوية والجمالية، وإنما توسيع أفق القراءة بإضافة البعد الاستعمالي والتواصلي إليها، بما يسمح بفهم أعمق للعلاقات التي تنشأ بين النص والمتكلم والمتلقي والسياق متيحة للنص الأدبي إمكانات جديدة وأفقا للتأويل والكشف عن آليات اشتغاله الحجاجي والتواصلي.
ثم تلا ذلك مداخلة الدكتور محمد قاري، وهو باحث ولساني موريتاني، من المهتمين بقضايا اللغة العربية المعاصرة والدرس اللساني، وآليات الخطاب والتداوليات العرفانية، واللسانيات النصية، حاصل على الإجازة في اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة نواكشوط سنة 2013، ثم نال الماستر في مناهج البحث في اللغة والأدب سنة 2015، ودكتوراه في اللسانيات من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة نواكشوط سنة 2024؛ صدر له عدد من الأعمال والدراسات، من أبرزها كتاب «دراسة حالة السياسات اللغوية في الدول العربية» الذي يتناول واقع السياسات اللغوية بموريتانيا وكتاب «كشف مضمرات الجوف في شعراء سعيد الملا نوف»، إلى جانب كتابه «القصيدة الموريتانية المعاصرة وتداخل الأجناس»، الذي يبحث في الوعي الشعري ومسألة العبور وسيميائية الغياب والحضور،
وقد تحدث في كلمته التي جاءت تحت عنوان «الضمني في الخطاب والمعنى» من قضية مركزية في اللسانيات التداولية، تمثلت في أن المعنى لا يكون دائما مصرحا به بصورة مباشرة، وإنما قد يتشكل من خلال ما يقتضيه القول من استدلالات وسياقات ومقاصد، فاللغة في أغلب استعمالاتها لا تقول كل شيء بصورة صريحة، وإنما تترك للمتلقي مهمة استكمال المعنى واستنباط ما وراء الملفوظ، منا يجعل الضمني وفق هذا التصور من أبرز مباحث التداولية؛ إذ تؤدي اللغة من خلاله جملة من الوظائف التواصلية بأقل قدر ممكن من الموارد اللفظية، مع ضمان وصول المتلقي إلى درجات من المعنى تتجاوز الدلالة المباشرة للألفاظ رابطا ظاهرة الضمني بقضايا الحجاج والمؤشرات المقامية والاستدلال المنطقي،
كما تتعدد مقارباتها بتعدد التخصصات التي تناولتها.
وقد قارب الضمني من منظور لساني تداولي عرفاني واصفا الإشكالات التي تثيرها ضمائر القول على مستوى التصور، محاولا الجمع بين صرامة التحليل اللساني التداولي وما أتاحته تحولات الصرف من مرونة وشمولية في تحليل الخطاب، مستحضرا مستويات الضمني المختلفة من إمكانات للتقريب بين اتجاهات متعددة في دراسة الدلالة، ولا سيما التمييز بين الدلالة المقصودية والدلالة التوازية، وبين الدلالة الخارجية والدلالة المحيطة.
وعرج في ختام المحاضرة على بعض جذور التفكير في الضمني داخل التراث العربي الإسلامي، مشيرا إلى أن المعاني الثواني وما يتصل بها من دلالات محكومة بالسياق ليست غريبة عن التفكير البلاغي العربي، إذ رأى أن انشغال التراث بقضايا تتصل بمقاصد القول، وبما يتجاوز الدلالة الأولى للعبارة إلى ما يستلزمه المقام والسياق من معانٍ كان لافتا في الدرس الفكري العربي القديم.
وختمت الندوة بمداخلات ونقاشات متعددة عبر فيها المتدخلون عن وجهات نظرهم، وطرحوا أسئلة أثارت الجلسة وأثرت الندوة، وانتهت الأمسية بصورة تذكارية جماعية لضيوف الندوة مع مدير بيت الشعر-نواكشوط الدكتور عبد الله السيد وسط حضور متنوع من الباحثين والدكاترة.



.jpeg)

.jpeg)