طريق الأمل.. حين صنعت الإرادة والصرامة أحد أكبر مشاريع موريتانيا

تُظهر قصة «طريق الأمل» أن نجاح أي مشروع يتوقف، منذ مراحله الأولى، على اختيار شركة موثوقة، وعلى رقابة صارمة على الأشغال، ثم، خلال التنفيذ، على التحكم في الآجال والتكاليف. وسواء كان المشروع ممولًا من الموارد الوطنية أو من جهات مانحة خارجية، فلا يمكن لأي مشروع أن ينجح من دون إدارة فعالة، قادرة على معالجة كشوف الحسابات وطلبات الدفع بسرعة، لأن أي تأخر في الإجراءات ينتهي إلى التسبب في تكاليف إضافية، ومراجعات للأسعار، وملاحق للعقود.

محاطًا بفريق محدود العدد لكنه كفؤ، أقدم المختار ولد داداه على مشروع طرقي كان كثير من الخبراء الدوليين يرونه غير قابل للإنجاز. ورغم كل الصعوبات، واصل طموحه المتمثل في ربط مختلف مناطق البلاد وفتح موريتانيا على جيرانها. وبعد إنجاز المحاور الأولى الممتدة من الشمال إلى الجنوب، ظل التحدي الأكبر هو الشرق: فضاء شاسع للسكان والثروة الحيوانية والإنتاج الزراعي، ظل معزولًا بدرجة كبيرة وبعيدًا عن العاصمة.

كانت موريتانيا آنذاك تملك موارد مالية محدودة وتواجه تحديات ثقيلة، وكان المختار ولد داداه يتعامل معها، من بين وسائل أخرى، بسياسة تقشف كان هو نفسه يضرب فيها المثل. لكن إذا كان يفتقر إلى رؤوس الأموال، فإنه كان يمتلك رصيدًا دبلوماسيًا كبيرًا، بناه على عقيدته القائمة على أن تكون موريتانيا «حلقة وصل» بين إفريقيا والعالم العربي.

وفي سنة 1973، وبعد زيارة إلى موندو، العاصمة الاقتصادية لتشاد، وقبيل انعقاد القمة العربية في الجزائر، طلب من الأمين العام لرئاسة الجمهورية، محمد علي شريف، وضع آلية عملية للتضامن العربي الإفريقي، وقال له: «لا يمكننا أن نذهب إلى القمة لمجرد الحضور؛ يجب أن نقترح شيئًا».

وفي سياق الصدمة النفطية الأولى، أعد محمد علي شريف مذكرة مفصلة تقترح إنشاء صندوق يهدف إلى توجيه جزء من الموارد العربية نحو إفريقيا جنوب الصحراء. وعرض الوفد الموريتاني هذه المبادرة خلال قمة الجزائر في نوفمبر 1973، فتمت الموافقة عليها، وأفضت لاحقًا إلى إنشاء البنك العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا «باديا».

وبفضل هذه المصداقية، نجح المختار ولد داداه، ابتداء من سنة 1974، في تعبئة تمويلات عربية كبيرة لصالح طريق الأمل، خصوصًا من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والصندوق الكويتي، والصندوق السعودي، إضافة إلى مساهمة برازيلية من مؤسسة CACEX.

وجرى إضفاء الطابع المؤسسي على هذا الطموح بموجب المرسوم رقم 28-75 الصادر في 23 أبريل 1975، والذي نص على فتح حساب خاص في الخزينة مخصص لبناء طريق نواكشوط–النعمة.

وفي أغسطس 1975، عُيّن حسني ولد ديدي، بموجب المرسوم رقم 53-75 الصادر في 22 أغسطس 1975، وزيرًا للتجارة والنقل. وأصبح من مسؤوليته حينها الإشراف على واحد من أكثر مشاريع البنية التحتية طموحًا التي أقدمت عليها موريتانيا الفتية: طريق الأمل.

وفور تعبئة التمويلات، بدأت كبرى الشركات الدولية تتنافس للفوز بهذه الصفقة الاستثنائية.

فوجّه موريلو مينديس، نائب الرئيس التنفيذي لشركة Mendes Júnior، مذكرة إلى الجنرال غولبيري دو كوتو إي سيلفا، الوزير ورئيس ديوان الرئاسة البرازيلية، أبرز فيها الأهمية الاستراتيجية للمشروع الموريتاني وطلب دعم برازيليا. وقد ساندت حكومة الرئيس إرنستو غايزل بقوة تحرك الشركة، ولا سيما من خلال موارد CACEX.

ومن بين 25 شركة تم تأهيلها مسبقًا، تمكنت Mendes Júnior في النهاية من الفوز بالصفقة، وحشدت إمكانات كبيرة في الصحراء الموريتانية: نحو 10 ملايين دولار من المعدات المصنعة في البرازيل، يضاف إليها قرابة 6 ملايين دولار من الإسفلت، من دون احتساب تكاليف الشحن. وهكذا انطلق واحد من أكثر مشاريع الطرق جرأة في غرب إفريقيا آنذاك.

وفي مارس 1976، قام حسني ولد ديدي بزيارة رسمية إلى البرازيل. وفي برازيليا، وقّع في وزارة الصناعة والتجارة، مع نظيره البرازيلي سيفيرو فاغونديس غوميش، بروتوكولًا تجاريًا بين موريتانيا والبرازيل يهدف إلى زيادة المبادلات وتطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين على أساس المساواة والمنافع المتبادلة.

وقُسّمت أشغال طريق الأمل إلى مقطعين كبيرين: الأول بطول نحو 600 كيلومتر من نواكشوط إلى كيفه، والثاني بطول نحو 493 كيلومترًا من كيفه إلى النعمة.

وانطلقت أشغال المقطع الأول بسرعة، حيث نشرت Mendes Júnior نحو 200 عامل برازيلي، إلى جانب يد عاملة موريتانية مهمة، فيما أوكلت مهمة الرقابة الفنية إلى مكتب المهندسين الاستشاريين COMETE S.A.

وفي 27 نوفمبر 1975، في إديني، عشية الاحتفالات بالذكرى الخامسة عشرة للاستقلال، أعطى المختار ولد داداه رسميًا إشارة انطلاق المشروع.

وعلى أرض الميدان، تقدمت الأشغال بوتيرة متواصلة، بفضل صرامة الجهة المشرفة على المشروع، وفعالية الإشراف الهندسي، وقوة الشركة من الناحية الفنية. وكانت النتيجة لافتة: ففي نهاية سنة 1978، وصل الطريق إلى كيفه قبل الموعد التعاقدي بـ112 يومًا، وهو أداء استثنائي بالنظر إلى ظروف الصحراء وضخامة المشروع.

وواصلت Mendes Júnior حضورها في موريتانيا من خلال الانخراط في إنجاز المقطع الثاني من طريق الأمل، كيفه–النعمة، بطول 493 كيلومترًا. واكتمل هذا المقطع سنة 1985 بإنجاز 106 كيلومترات من طريق تمبدغه–النعمة، وهي آخر حلقة أوصلت الطريق الكبير إلى مدينة النعمة.

وقد فتحت جودة إنجازاتها الأولى أمام الشركة الباب سريعًا للحصول على صفقات جديدة في البلاد. ففازت بعقد بناء مطار النعمة، بقيمة تقارب 9.6 ملايين دولار، بتمويل من بنوك ألمانية خاصة.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج البلاد إلى شركات دولية مرجعية قادرة على إنجاز الطرق الحضرية وفق أفضل المعايير: طرق معبدة ودائمة، وقنوات لتصريف المياه، وأنظمة للصرف، وأكتاف طرق مهيأة، بما يحمي الطرق ويضمن استدامته.

 

 

محمد ولد الشريف

اثنين, 07/09/2026 - 14:35