
تكشف التطورات الأخيرة في دول الساحل أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتجاوز المواجهة التقليدية بين الجيوش والجماعات المسلحة إلى صراع أكثر تعقيدًا يجمع بين حرب الاستنزاف، وتوسع القدرات الجوية للجماعات المسلحة، وسوق الرهائن، والانقسامات داخل التشكيلات المحلية، وهشاشة بعض الأنظمة العسكرية.
مالي.. تفوق جوي لا يحسم الحرب
في مالي، تظهر بيانات الجيش خلال الأسابيع الأخيرة تكثيفًا لافتًا للضربات الجوية بالطائرات المسيّرة، من كيدال وأغيلهوك شمالًا إلى موبتي وسيكاسو وسطًا وجنوبًا. وتقول القوات المالية إنها تمكنت من تدمير مخازن أسلحة ووقود ومركبات ومواقع تجمع للمقاتلين، كما أعلنت تعطيل نحو 200 دراجة نارية في عملية واحدة قرب بردوسو.
غير أن كثافة هذه العمليات لا تعني أن ميزان الحرب حُسم لصالح باماكو.
ففي المقابل، تواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تنفيذ هجمات على محاور طرق رئيسية، واستهداف القوات المالية والفيلق الإفريقي الروسي بالعبوات الناسفة والصواريخ والكمائن، إضافة إلى السيطرة المؤقتة على بعض المواقع.
الأهم أن الجماعة بدأت في تطوير استخدام الطائرات المسيّرة المحملة بالمتفجرات، وهو تحول نوعي قد يفرض على الجيش المالي إعادة النظر في منظومة حماية المعسكرات والقوافل والقواعد الخلفية.
وهكذا تبدو الحرب في مالي أقرب إلى حرب استنزاف طويلة: الجيش يحتفظ بالتفوق الجوي، بينما تحتفظ الجماعات المسلحة بمرونة الحركة وقدرتها على ضرب الطرق والمواقع المعزولة ثم الانسحاب.
الشمال المالي.. المال والسلاح يعيدان تشكيل التحالفات
في مناطق أزواد، يضيف ملف الرهائن بعدًا اقتصاديًا للحرب.
فالمبالغ الكبيرة التي يُقال إن جبهة تحرير أزواد حصلت عليها مقابل الإفراج عن جنود روس يمكن أن تمنح الحركة قدرة أكبر على شراء السلاح والمعدات الطبية وتعزيز مواقعها.
وتكمن خطورة هذا التطور في أن سوق الرهائن قد يتحول مجددًا إلى أحد أهم مصادر تمويل الجماعات المسلحة والحركات المتمردة في الساحل.
بالتوازي، يثير دمج قوات الجنرال الهجي أغ غامو ومقاتلي «غاتيا» في القوات المسلحة المالية أسئلة حول مدى نجاح باماكو في استيعاب الميليشيات المحلية. فاستمرار رفع شعارات الحركة ووجود انشقاقات نحو جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين يوحيان بأن الولاءات في الشمال لا تزال هشة، وأن عملية الدمج لم تتحول بعد إلى اندماج سياسي وعسكري كامل.
بوركينا فاسو.. الجغرافيا ثابتة لكن الحرب تتغذى اجتماعيًا
تبدو بوركينا فاسو أكثر قدرة من مالي على منع الجماعات المسلحة من تحقيق تقدم جغرافي دائم.
فالهجمات الكبيرة على جيبو وغيرها من المواقع جرى صدها بمزيج من الدفاعات البرية والطائرات المسيّرة، فيما ظلت سيطرة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على بعض المواقع مؤقتة.
لكن هذا النجاح العسكري يواجه مشكلة أعمق.
فالانتهاكات التي ترافق عمليات مكافحة التمرد، خصوصًا في المناطق المفتوحة والريفية، قد تتحول إلى أحد أهم عوامل التجنيد لصالح الجماعات الجهادية، ولا سيما بين الشباب الرعاة من الفولاني.
بمعنى آخر، قد تربح الدولة المعركة الميدانية لكنها تخسر جزءًا من البيئة الاجتماعية إذا لم ترافق العمليات العسكرية سياسة أكثر انضباطًا في حماية المدنيين.
النيجر.. الخطر يأتي من داخل النظام
إذا كان التحدي في مالي وبوركينا فاسو عسكريًا بالدرجة الأولى، فإن وضع النيجر يبدو أكثر ارتباطًا بهشاشة السلطة نفسها.
فالمعطيات المتعلقة بمحاولة الإطاحة بالجنرال عبد الرحمن تياني في أواخر أغسطس، وما أعقبها من خطاب رسمي عن «الخيانة» و«المؤامرات الخارجية»، تكشف عن قلق داخل قمة الدولة.
والدلالة الأهم أن الحديث عن الخيانة الداخلية يضعف سردية أن الخطر كله يأتي من قوى خارجية.
إذا استمرت الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية، فإن الخطر الأكبر على نيامي قد لا يكون هجومًا جهاديًا، بل محاولة انقلاب جديدة أو صراعًا داخل أجهزة الدولة.
وهنا يصبح أي تدخل خارجي مباشر، بما في ذلك تدخل روسي محتمل، عاملًا قد يزيد من تعقيد المشهد بدل أن يحسمه.
موريتانيا.. مراقبة الاضطراب من موقع الحذر
وسط هذا المشهد، تظل موريتانيا في وضع مختلف نسبيًا.
فالتحركات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة، ومنها استقبال وفد عسكري ليبي في نواكشوط، تعكس استمرار التواصل مع آليات الأمن الإقليمي.
لكن أهمية موريتانيا تكمن في موقعها الجغرافي.
فأي تدهور جديد في مالي أو النيجر يمكن أن يؤدي إلى زيادة تدفقات اللاجئين، وتوسع شبكات التهريب، وتحرك الجماعات المسلحة نحو مسارات جديدة، وهو ما يجعل الاستقرار الموريتاني مرتبطًا بصورة مباشرة بما يحدث شرق الحدود.
الساحل أمام موجة اضطراب جديدة
المشهد العام لا يشير إلى انهيار فوري لدول الساحل، لكنه يكشف عن تراكم عوامل اضطراب خطيرة.
في مالي، هناك حرب استنزاف مفتوحة.
وفي بوركينا فاسو، تحسن عسكري يقابله خطر اجتماعي متزايد.
وفي النيجر، هشاشة سياسية وأمنية داخل النظام نفسه.
أما سوق الرهائن وتدفقات الأموال والسلاح والانشقاقات داخل الميليشيات، فتضيف طبقة جديدة من التعقيد.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة انتصارات حاسمة لأي طرف، بل مرحلة استنزاف متبادل، وتحالفات متحركة، وانقلابات محتملة، وعمليات أكثر تطورًا من الجماعات المسلحة.
والسؤال لم يعد فقط: من يسيطر على الأرض؟
بل أصبح: أي دولة من دول الساحل تستطيع الصمود مؤسساتيًا وسياسيًا مدة أطول من خصومها؟
أقلام



.jpeg)

.jpeg)