
لم يكن خروج محمد أحمد ولد محمد الأمين ولد احويرثي من وزارة الداخلية في التعديل الحكومي الأخير مجرد مغادرة وزير لحقيبته، بل حدثًا سياسيًا لافتًا بالنظر إلى مكانة الرجل داخل منظومة الحكم، وقربه الاستثنائي من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والدور الذي اضطلع به منذ وصول الأخير إلى السلطة سنة 2019.
فمنذ بداية مأموريته الأولى، اختار الغزواني ولد محمد الأمين مديرًا لديوانه، في منصب يتيح لصاحبه الاطلاع على أدق الملفات الرئاسية والمشاركة في إدارة العلاقات السياسية داخل السلطة وخارجها. ولم يكن هذا الاختيار منفصلًا عن علاقة الثقة التي جمعت الرجلين، وجعلت ولد محمد الأمين يُنظر إليه باعتباره أحد أقرب معاوني الرئيس وأكثرهم اطلاعًا على أسراره.
وفي مارس 2022، انتقل ولد احويرثي إلى وزارة الداخلية، وهي من أكثر الحقائب حساسية في النظام السياسي الموريتاني، نظرًا إلى ارتباطها بالأمن الداخلي والإدارة الإقليمية والانتخابات والعلاقة مع الفاعلين السياسيين.
ومع مرور الوقت، ترسخت صورة الرجل بوصفه أحد أبرز مراكز النفوذ داخل السلطة، حتى بات يُشار إليه في الأوساط السياسية باعتباره «الرجل القوي»، الذي لا يستمد تأثيره من موقعه الرسمي فحسب، بل من علاقته المباشرة برئيس الجمهورية والثقة التي يحظى بها لديه.
غير أن هذه المكانة جعلته أيضًا في قلب كثير من الجدل السياسي، إذ حمّله خصومه مسؤولية عدد من القرارات والمواقف التي أثارت خلافات وتوترات بين السلطة وبعض الأطراف السياسية، واعتبروا أنه كان أحد أبرز المؤثرين في طريقة إدارة الملفات الداخلية.
وفي المقابل، لا توجد معطيات تسمح بالجزم بحجم دوره الشخصي في تلك القرارات، أو الفصل بين ما كان يعكس توجهات السلطة العامة وما يمكن نسبته إلى اختياراته الخاصة.
ولم يقتصر الجدل المحيط بولد احويرثي على علاقته بالمعارضة، بل امتد إلى موقعه داخل السلطة نفسها، خصوصًا مع تواتر أحاديث عن توتر علاقته بالوزير الأول المختار ولد اجاي.
وتحدثت بعض القراءات السياسية عن تنافس بين الرجلين على النفوذ والتأثير في القرار، بالنظر إلى اختلاف موقعيهما؛ فالوزير الأول يتولى قيادة العمل الحكومي، بينما ظل وزير الداخلية يتمتع بعلاقة قديمة ومباشرة مع الرئيس، وهو ما جعل البعض يرى فيه مركز ثقل سياسيًا يتجاوز حدود حقيبته الوزارية.
وفتحت مغادرته مع الإبقاء على المختار ولد اجاي على رأس الحكومة باب التأويلات بشأن احتمال إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل السلطة التنفيذية، خاصة أن التعديل شمل شخصيات أخرى ظلت لسنوات ضمن الدائرة المقربة من الرئيس.
ويطرح هذا التطور تساؤلًا بشأن ما إذا كان غزواني قد قرر الانتقال إلى مرحلة جديدة في إدارة الحكم، تقوم على إعادة توزيع الأدوار وتقليص الاعتماد على بعض الوجوه التي رافقته منذ بداية رئاسته، أم أن التغيير لا يتجاوز مقتضيات تجديد الفريق الحكومي؟.
فخروج ولد احويرثي من وزارة الداخلية لا يعني بالضرورة انتهاء علاقته بالرئيس أو فقدانه لمكانته داخل الدائرة الرئاسية. وقد أظهرت التجربة السياسية الموريتانية أن مغادرة المناصب الحكومية لا تقترن دائمًا بنهاية النفوذ السياسي، خصوصًا بالنسبة للشخصيات التي ترتبط بعلاقات ثقة مباشرة برأس السلطة.
لكن اللافت هذه المرة أن الرجل الذي ظل حاضرًا في مواقع القرار منذ أغسطس 2019، وانتقل من إدارة الديوان الرئاسي إلى قيادة واحدة من أهم الوزارات السيادية، يجد نفسه خارج التشكيلة الحكومية.
وبين من يرى في خروجه مؤشرًا على تراجع نفوذ أحد أقوى رجال السلطة، ومن يعتبره مجرد إعادة تموضع قد تسبق تكليفه بمهمة أخرى، يبقى المعنى السياسي للتغيير مرهونًا بما ستكشف عنه قرارات المرحلة المقبلة.
فهل انتهى الدور السياسي لولد احويرثي، أم أن خروجه يؤشر إلى نهاية مرحلة كاملة من إدارة السلطة، كانت تقوم على حضور قوي لعدد محدود من الشخصيات المقربة من الرئيس؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل مغادرة وزير الداخلية السابق حدثًا يتجاوز حدود التعديل الحكومي، ويفتح النقاش بشأن طبيعة التوازنات الجديدة داخل السلطة في موريتانيا.



.jpeg)

.jpeg)