
أظهرت مقارنة بين التوقعات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومة الموريتانية في مشروع قانون المالية لسنة 2027، والتقديرات التي نشرتها مؤسسات اقتصادية دولية، وجود تفاوت لافت بشأن مستقبل التضخم والنمو الاقتصادي خلال العام المقبل، بما يطرح تساؤلات حول مدى واقعية الفرضيات التي بُنيت عليها الميزانية الجديدة.
فبينما تتوقع الحكومة الموريتانية انخفاض التضخم إلى 3.3% خلال سنة 2027، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي، وفق بيانات آفاق الاقتصاد العالمي الصادرة في أكتوبر الجاري، إلى احتمال بقاء معدل التضخم السنوي المتوسط عند نحو 7.2%.
وتناولت صحيفة «The Rio Times» الاقتصادية، في تقرير نشرته الجمعة 23 أكتوبر، هذا الاختلاف، مشيرة إلى أن الحكومة بنت مشروع ميزانيتها على نمو اقتصادي بنسبة 5%، مقابل 4.4% يتوقعها صندوق النقد الدولي خلال السنة نفسها.
ويأتي هذا التفاوت في وقت تواجه فيه الأسر الموريتانية ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، بالتزامن مع تسارع التضخم المسجل خلال الأشهر الأخيرة.
التضخم يتجاوز 9% قبل إعداد الميزانية
تكشف أحدث البيانات الرسمية للوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديمغرافي والاقتصادي أن معدل التضخم في موريتانيا بلغ 9.3% في سبتمبر 2026، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، بعدما كان عند 8.9% في أغسطس.
كما بلغ متوسط التضخم المتحرك خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في سبتمبر 6.3%، مقابل 5.6% في أغسطس، وهو ما يعكس استمرار الضغوط على الأسعار رغم تباطؤ الزيادة الشهرية.
وسجل المؤشر الوطني لأسعار الاستهلاك ارتفاعًا بنسبة 0.6% خلال سبتمبر وحده، مدفوعًا خصوصًا بأسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية والسكن والطاقة والخدمات الصحية.
وتعني هذه التطورات أن بلوغ المستوى المستهدف حكوميًا في 2027 سيتطلب تباطؤًا كبيرًا في وتيرة ارتفاع الأسعار مقارنة بالمستويات المسجلة حاليًا.
صندوق النقد أقل تفاؤلًا بشأن النمو
لا يقتصر التفاوت بين التوقعات الحكومية والدولية على الأسعار، بل يشمل أيضًا النمو الاقتصادي.
فقد حدد مشروع قانون المالية لسنة 2027 معدل النمو الحقيقي المتوقع عند 5%، مع متوسط سنوي يبلغ 4.3% للفترة 2027–2029.
في المقابل، تشير قاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي، في إصدار أكتوبر 2026، إلى نمو متوقع للاقتصاد الموريتاني بنسبة 4.4% سنة 2027.
ويبلغ الفارق بين التقديرين 0.6 نقطة مئوية، وهو اختلاف قد ينعكس على تقديرات الإيرادات العمومية والنشاط الاقتصادي، خصوصًا إذا جاءت نتائج القطاعات الإنتاجية دون المستويات التي تفترضها الحكومة.
ويعتمد أداء الاقتصاد الموريتاني بدرجة مهمة على إنتاج المعادن والغاز، إلى جانب قطاعات الصيد والزراعة والخدمات، وهي أنشطة تتأثر بعوامل داخلية وتقلبات الأسواق الدولية.
ماذا يعني اختلاف توقعات التضخم؟
يحمل الاختلاف بين تقديرات التضخم أهمية خاصة بالنسبة للأسر والشركات والمالية العمومية.
فارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق التوقعات الرسمية يمكن أن يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للأجور والدخول الثابتة، كما يرفع تكاليف تسيير المرافق العمومية وتنفيذ المشاريع والاستثمارات.
وقد تجد الحكومة نفسها أمام احتياجات إنفاق إضافية إذا استمر ارتفاع أسعار المواد الأساسية والطاقة، خصوصًا في ما يتعلق بالدعم الاجتماعي والبرامج الموجهة للفئات محدودة الدخل.
القدرة الشرائية أمام اختبار جديد
لا تكمن أهمية هذه الأرقام في الاختلاف بين المؤسسات التي أصدرتها فحسب، بل في انعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين.
فحتى إذا انخفض معدل التضخم خلال السنة المقبلة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل قد يقتصر على تباطؤ وتيرة ارتفاعها.
وبالتالي، فإن تحسن القدرة الشرائية سيظل مشروطًا بتطور الأجور والدخول وتكاليف المعيشة، وليس بمجرد انخفاض المعدل الإحصائي للتضخم.
وتطرح الفجوة بين التوقعات الحكومية والتقديرات الدولية سؤالًا أساسيًا بشأن مشروع ميزانية 2027: هل تستند الحكومة إلى معطيات تبرر توقع تراجع سريع في التضخم، أم أن استمرار الضغوط الحالية على الأسعار قد يفرض مراجعة الفرضيات الاقتصادية التي بُنيت عليها الميزانية؟
مولاي ولد سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)