
دخل ملف الصحراء الغربية مرحلة جديدة من الغموض السياسي والأمني، عقب إخفاق مجلس الأمن الدولي، الجمعة 30 أكتوبر، في اعتماد مشروعين متنافسين بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو»، أحدهما أمريكي يسعى إلى إعادة صياغة الإطار السياسي للتسوية، والآخر روسي يدعو إلى استمرار المهمة الأممية بصيغتها القائمة.
ولم يكن فشل التصويت مجرد خلاف عابر بين أعضاء المجلس بشأن تمديد ولاية بعثة أممية، بل كشف عن مواجهة دبلوماسية أوسع بين واشنطن وموسكو حول طبيعة الحل النهائي للنزاع، والدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة.
وبالنسبة لموريتانيا، التي تشترك في حدود طويلة مع منطقة النزاع، فإن التطورات الأخيرة تثير تساؤلات تتجاوز الخلاف حول الحكم الذاتي وتقرير المصير، لتشمل أمن حدودها الشمالية، ومستقبل حركة التجارة عبر الكركرات، والوضع الحدودي والبحري لمنطقة لكويرة المجاورة لمدينة نواذيبو.
من الخلاف حول التسوية إلى المواجهة داخل مجلس الأمن
سعت الولايات المتحدة، من خلال مشروع القرار الذي قدمته، إلى إحداث تحول في المقاربة الأممية للنزاع، عبر اعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسًا وحيدًا للمفاوضات، وإعادة النظر في طبيعة بعثة مينورسو، بما يشمل تغيير اسمها وحذف الإشارة إلى الاستفتاء، وفتح المجال أمام تحويلها من مهمة لحفظ السلام إلى بعثة سياسية.
وفي المقابل، تمسكت روسيا باستمرار المهمة الأممية في إطارها القائم، معتبرة أن تحديد نتيجة المفاوضات مسبقًا يتعارض مع مبدأ التوصل إلى حل سياسي توافقي بين أطراف النزاع.
وانتهت المواجهة باستخدام موسكو حق النقض ضد المشروع الأمريكي، الذي حصل على تأييد 11 عضوًا، فيما لم يتمكن المشروع الروسي من جمع الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده.
وبذلك، أخفق المجلس في التوصل إلى قرار جديد قبل انتهاء التفويض الحالي للبعثة في 31 أكتوبر، ما فتح الباب أمام مرحلة من عدم اليقين بشأن مستقبل الوجود الأممي في الإقليم.
ورغم أن المشروع الأمريكي سقط بسبب الفيتو الروسي، فإن النقاش الذي أثاره قد يستمر خلال المشاورات المقبلة، خصوصًا ما يتعلق بمستقبل الاستفتاء، وطبيعة المهمة الأممية، والمكانة التي سيحتلها المقترح المغربي للحكم الذاتي في أي مفاوضات جديدة.
المغرب والبوليساريو أمام واقع مختلف
رحب المغرب بفشل تمديد ولاية مينورسو، معتبرًا أن استمرار البعثة بصيغتها السابقة لم يعد يخدم التوصل إلى تسوية للنزاع، في ظل تمسك الرباط بمقترح الحكم الذاتي تحت سيادتها.
غير أن انتهاء التفويض دون اعتماد بديل لا يمثل اعترافًا أمميًا جديدًا بالسيادة المغربية على الإقليم، ولا يحسم الوضع القانوني للصحراء الغربية.
أما جبهة البوليساريو، التي عارضت المشروع الأمريكي وهددت سابقًا بالانسحاب من العملية السياسية إذا اعتُمد دون تعديلات جوهرية، فقد رحبت بالموقف الروسي، معتبرة أنه حال دون فرض نتيجة مسبقة للمفاوضات.
لكن غياب مينورسو قد يطرح تحديات على الجبهة أيضًا، بالنظر إلى الدور الذي لعبته البعثة منذ إنشائها سنة 1991 في مراقبة الوضع العسكري والحفاظ على قناة اتصال أممية مع الأطراف.
وهكذا، يجد الطرفان نفسيهما أمام وضع جديد، لا يوفر بالضرورة مكاسب نهائية لأي منهما، بقدر ما يزيد الغموض المحيط بمستقبل العملية السياسية وآليات مراقبة الوضع الأمني.
هل يفتح انتهاء التفويض الباب أمام فراغ أمني؟
تتمثل إحدى النتائج المباشرة لفشل مجلس الأمن في غياب قرار جديد يحدد مستقبل بعثة مينورسو، التي اضطلعت طوال أكثر من ثلاثة عقود بمهام المراقبة العسكرية والاتصال بالأطراف والمساهمة في الحد من مخاطر التصعيد.
لكن انتهاء التفويض القانوني لا يعني بالضرورة انسحاب جميع أفراد البعثة ومعداتها بصورة فورية، إذ يتطلب إنهاء الوجود الميداني ترتيبات إدارية وأمنية ولوجستية.
وتكمن المخاوف في احتمال تراجع القدرة على مراقبة التحركات العسكرية والتحقق المستقل من الحوادث الميدانية، خصوصًا بعد انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020 واستمرار الأعمال العدائية المتقطعة بين المغرب والبوليساريو.
وقد يجد مجلس الأمن نفسه مضطرًا إلى البحث عن تمديد تقني مؤقت أو صيغة جديدة تضمن استمرار بعض وظائف المراقبة، حتى في حال تعذر الاتفاق على الإطار السياسي النهائي للتسوية.
غير أن استمرار الانقسام بين واشنطن وموسكو قد يجعل التوصل إلى مثل هذا التفاهم أكثر تعقيدًا.
موريتانيا أمام تحديات أمنية واقتصادية جديدة
بالنسبة لموريتانيا، لا تقتصر تداعيات الأزمة على مستقبل المفاوضات، بل تمتد إلى مصالح مباشرة ترتبط بحدودها الشمالية وموقعها الجغرافي وعلاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة.
فأي تراجع في آليات المراقبة الأممية قد يزيد أهمية التنسيق الأمني واليقظة العسكرية على الحدود، خاصة في المناطق القريبة من مسرح النزاع.
كما يمثل معبر الكركرات شريانًا مهمًا للتجارة البرية بين المغرب وموريتانيا وأسواق غرب إفريقيا، ما يجعل استقرار المنطقة المحيطة به مسألة ذات انعكاسات اقتصادية مباشرة.
وتكتسب هذه الاعتبارات أهمية إضافية في ظل حرص نواكشوط على المحافظة على علاقاتها مع مختلف الأطراف، وعدم الانخراط في النزاع، مع الدفاع عن مصالحها الأمنية والاقتصادية.
لكن الملف الأكثر حساسية بالنسبة لموريتانيا قد يكون مستقبل الحدود الشمالية، ولا سيما الوضع الخاص لمنطقة لكويرة، الواقعة على الجانب الغربي من شبه جزيرة رأس نواذيبو.
مولاي ولد سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)