رمال الصحراء على رقعة الشطرنج الدولية: قراءة في أزمة الفيتو المزدوج وتداعياتها الإقليمية

في الثلاثين من أكتوبر 2026، شهدت أروقة مجلس الأمن الدولي سابقة دبلوماسية أعادت رسم ملامح النزاع في الصحراء الغربية، ونقلته من دائرة الإدارة الأممية الروتينية إلى قلب الاستقطاب الجيوسياسي العالمي. وللمرة الأولى في تاريخ هذا النزاع الممتد لنصف قرن، يصطدم المسار الأممي بجدار "الفيتو المزدوج" بين الولايات المتحدة وروسيا، مما أدخل بعثة الأمم المتحدة (المينورسو) في أزمة تفويض حادة، ووضع المنطقة برمتها أمام سيناريوهات مفتوحة تتشابك فيها المصالح الدولية بالتحالفات الإقليمية.

 

 

الهندسة الأمريكية الجديدة.. محاولة لتغيير قواعد اللعبة:

 

لقد جاء مشروع القرار الأمريكي ليعكس تحولاً استراتيجياً في المقاربة الغربية للنزاع. وهكذا لم تكتفِ واشنطن بالصياغات الدبلوماسية المعتادة، بل سعت إلى إحداث تغيير هيكلي يتماشى مع الزخم الذي اكتسبته المبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي. وقد تجلى ذلك بوضوح في ثلاثة مسارات رئيسية هي:

 - القطيعة مع "الاستفتاء": عبر مقترح تغيير اسم البعثة إلى "MINUSO" (بحذف حرف الراء الدال على الاستفتاء référendum). وبذلك فقد حاولت واشنطن إعلان نهاية حقبة تاريخية من مسار التسوية الأممية، استناداً إلى قناعتها بأن آليات التحضير للاستفتاء معطلة عملياً منذ أكثر من عقدين من الزمن؛

 - إعادة الهيكلة الميدانية: من خلال تقليص المكون العسكري ودمج المواقع، وهو ما يُقرأ كمحاولة لتقليل الطابع العسكري للنزاع وتحويل البعثة إلى آلية مراقبة سياسية ومدنية ليس إلا.

 - تكريس مبادرة الحكم الذاتي كمسار حصري: بدعم فرنسي حازم وتأييد إسباني، سعى المشروع إلى تحويل مقترح الحكم الذاتي المغربي من "خيار جدي ذي مصداقية" إلى الممر الأوحد للحل، وهو ما حظي بتأييد 11 عضواً في مجلس الأمن.

 

 

الفيتو الروسي والرسائل المزدوجة:

 

لم يكن إسقاط موسكو للمشروع الأمريكي مجرد دفاع عن الوضع القائم، بل كان مناورة جيوسياسية محسوبة، تتجاوز رمال الصحراء لتشمل كامل منطقة الساحل وشمال إفريقيا. من خلال تقديم مشروع قرار مضاد يتمسك بتمديد ولاية "المينورسو" بمهامها الكلاسيكية وتسميتها الأصلية، استناداً إلى مبدأ تقرير المصير، أرادت الدبلوماسية الروسية تحقيق عدة أهداف مركبة:

 - فرملة الاستفراد الغربي بالملف: لقد وجهت موسكو رسالة واضحة مفادها أنها لن تسمح للتحالف (الأمريكي-الفرنسي-الإسباني) بهندسة الحلول في شمال إفريقيا بشكل أحادي، وأن أي تغيير في قواعد الاشتباك الدبلوماسي يجب أن يمر عبر التوافق معها؛

 - حماية الحليف الجزائري: في ظل التنسيق الاستراتيجي المتصاعد بين موسكو والجزائر، خاصة مع تنامي الحضور العسكري والأمني الروسي في الساحل، مثل الفيتو الروسي غطاءً دبلوماسياً حاسماً للجزائر (الداعم الرئيسي للبوليساريو)، مما يعزز أوراق التفاوض الجزائرية في مواجهة الضغوط الغربية.

لكن الرد الأمريكي المتمثل في استخدام الفيتو المضاد لإسقاط المشروع الروسي (الذي لم ينل سوى 3 أصوات)، قد كرّس حالة من الشلل المؤسسي، معلناً دخول النزاع في مرحلة من الفراغ القانوني.

 

 

تداعيات الأزمة: الرد المغربي الحاسم وطي صفحة "المينورسو":

 

على الرغم من نجاح الدبلوماسية المغربية في تأمين اصطفاف غربي صلب خلف مبادرة الحكم الذاتي، فقد شكلت جلسة ال 30 أكتوبر 2026 اصطداماً بواقع العمل الأممي؛ إذ أثبت الفيتو الروسي أن القناعات السياسية للقوى الغربية والزخم الثنائي لا يكفيان لاستصدار قرار أممي ملزم يغير الطبيعة القانونية للنزاع في ظل الانقسام الدولي.

غير أن الرباط اختارت عدم البقاء أسيرة لهذا السقف الزجاجي الأممي. وفي تطور غير مسبوق قلب الطاولة على الحسابات الدولية، استثمر المغرب حالة الشلل المؤسسي ليوجه ضربة استباقية حاسمة عبر بيان تاريخي للديوان الملكي. فقد أعلن المغرب رسمياً إنهاء التعامل مع آلية "المينورسو"، مطالباً أطقم البعثة بمغادرة المنطقة خلال أيام معدودة.

ولم تقف الخطوة المغربية عند حدود طرد البعثة، بل تجاوزتها إلى إعلان سحب ملف الصحراء بشكل نهائي من طاولة مجلس الأمن الدولي. ولا شك بأن هذا الموقف الصارم يعكس انتقال الدبلوماسية المغربية من مرحلة التفاعل مع مسارات التسوية الأممية إلى مرحلة "فرض الأمر الواقع السيادي"، معتبرة أن الفراغ الذي خلقه "الفيتو المزدوج" هو بمثابة إعلان وفاة للمسار الأممي، ويفتح الطريق نحو الطي النهائي لملف النزاع في  الصحراء الغربية، وتكريس السيادة المغربية الكاملة على أقاليمها الجنوبية، بعيداً عن تجاذبات القوى العظمى ومساوماتها.

 

 

موريتانيا ومعضلة الجوار الهش:

 

تُعد الدول المجاورة، وعلى رأسها موريتانيا، المتضرر الأكبر من حالة الانكشاف الأمني والسياسي التي خلفها هذا الصدام، وكذا  قرار إنهاء مهام المينورسو. ومن المعروف بأن انواكشوط تعتمد تاريخياً عقيدة "الحياد الإيجابي"، محاولة الحفاظ على شعرة معاوية بين الرباط والجزائر. غير أن هذا الفراغ الناجم عن انتهاء تفويض البعثة الأممية وخروجها الفعلي يضع موريتانيا أمام مخاطر جدية تتطلب مواجهتها تعاملا خاصا. ولعل من أهمها :

 - هاجس التصعيد الميداني: فمع غياب مظلة المراقبة الأممية بشكل نهائي، تتزايد احتمالات تحول المناوشات المحدودة إلى تصعيد عسكري مفتوح بالقرب من الحدود الموريتانية الشمالية (منطقة الكركرات والمناطق العازلة)، مما يهدد أمنها القومي واستقرار خطوط التجارة والمبادلات الحيوية؛

 - الضغط الدبلوماسي العنيف: سيؤدي الاستقطاب الحاد بين المحور (الغربي-المغربي) والمحور (الروسي-الجزائري) إلى ممارسة ضغوط هائلة على الدبلوماسية الموريتانية للتخلي عن المنطقة الرمادية والانحياز لأحد الطرفين، وهو خيار قد تكون تكلفته الاستراتيجية باهظة في كلتا الحالتين.

باختصار، لقد أسقطت جلسة الفيتو المزدوج، وما تلاها من قرار سيادي مغربي بسحب الملف وإغلاقه من جانب واحد، ورقة التوت عن مسار طالما اتسم بإدارة الأزمة بدلاً من حلها. وقد أصبحت الصحراء الغربية اليوم انعكاساً لصدع أعمق في النظام الدولي، حيث تتداخل حسابات النفوذ في الساحل، مع صراع الإرادات بين القوى  العظمى في مجلس الأمن، لتترك المنطقة برمّتها على صفيح ساخن وأفق مفتوح على المجهول.

هل انتهى زمن التسويات المؤقتة؟ وهل ستدخل المنطقة حقبة جديدة تُكرس فيها خرائط النفوذ والسيادة كأمر واقع لا رجعة فيه؟

مهما يكن من أمر،  سيكون من المؤسف حقا و بعد عشرات السنوات من حالة اللاحرب واللاسلم في نزاع الصحراء الغربية، أن تنزلق المنطقة نحو تصعيد جديد يعيد تشكيل توازنات القوة والنفوذ بالحديد والنار بدل الدبلوماسية والحكمة..

 

محمد السالك ولد إبراهيم،
خبير استشاري دولي
انواكشوط،  31 أكتوبر 2026

سبت, 31/10/2026 - 14:33