الصفقات العمومية تحت رقابة جديدة.. هل تنهي الإصلاحات اختلالات إبرام العقود وتنفيذها؟

أقرت الحكومة الموريتانية إصلاحاً جديداً لمنظومة الصفقات العمومية، يتضمن إعادة تنظيم هيئات الرقابة وإبرام العقود، وإلزام القائمين عليها بالتصريح بممتلكاتهم ومصالحهم، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية والحد من مخاطر الفساد وتحسين كفاءة الإنفاق العمومي.

وصادق مجلس الوزراء، الأربعاء 4 نوفمبر 2026، على مشروع مرسوم لتطبيق مدونة الطلبية العمومية الجديدة، يتضمن مجموعة من الإجراءات التنظيمية والمؤسسية، من أبرزها إنشاء سلطة لتنظيم الطلبية العمومية، ولجنة لمراقبتها، ولجان لإبرام الصفقات، مع اعتماد آليات منتظمة لتأهيل المسؤولين عن هذه الهيئات وتقييم أدائهم.

ويأتي الإصلاح في قطاع يمثل إحدى أهم قنوات الإنفاق الحكومي، حيث تمر عبر الصفقات العمومية مشاريع البنية التحتية والتجهيزات والخدمات التي تمولها الدولة، مما يجعل فعالية الرقابة على إبرام العقود وتنفيذها عاملاً أساسياً في حماية المال العام وضمان جودة المشاريع.

 

 

التصريح بالممتلكات وتضارب المصالح

 

ومن أبرز مستجدات المرسوم إلزام الفاعلين في منظومة الصفقات العمومية بالتصريح بالممتلكات والمصالح، في إجراء يستهدف الحد من تضارب المصالح وتعزيز النزاهة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالعقود الحكومية.

غير أن فعالية هذا الإجراء ستتوقف على كيفية تطبيقه، خصوصاً ما يتعلق بنطاق الأشخاص الملزمين بالتصريح، وآليات التحقق من صحة المعلومات المقدمة، والجهات المخولة بمراقبتها، والعقوبات المترتبة على عدم الالتزام.

ولم يوضح بيان مجلس الوزراء ما إذا كانت هذه التصريحات ستخضع للنشر أو ستظل مقتصرة على الجهات الرقابية المختصة.

 

 

رقابة لا تتوقف عند منح الصفقة

ويسعى الإصلاح إلى تعزيز الرقابة على تنفيذ العقود، من خلال استحداث ملف للتسوية النهائية لكل صفقة، يضم الوثائق الضرورية للتحقق من إنجاز الأشغال والخدمات ومطابقتها للشروط والمواصفات المتفق عليها.

وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة بالنظر إلى أن سلامة إجراءات المنافسة واختيار المقاول لا تكفي وحدها لضمان نجاح المشروع، ما لم تقترن بمتابعة فعلية لمراحل التنفيذ والتحقق من جودة الأشغال واحترام الالتزامات التعاقدية.

كما ينص المشروع على تقليص الآجال في مختلف مراحل إبرام العقود، والرقمنة التدريجية للإجراءات، بما قد يساهم في تبسيط المساطر الإدارية وتحسين إمكانية تتبع القرارات والمعاملات.

الأفضلية الوطنية بين دعم الشركات وضمان المنافسة

ويتضمن الإصلاح كذلك إجراءات لتشجيع الأفضلية الوطنية وتوسيع مشاركة المؤسسات الموريتانية في الصفقات العمومية، بهدف تعزيز مساهمة القطاع الخاص المحلي في تنفيذ المشاريع الحكومية.

غير أن نجاح هذا التوجه يقتضي تحقيق توازن بين دعم المؤسسات الوطنية وضمان المنافسة والشفافية، حتى لا تتحول الأفضلية الممنوحة للشركات المحلية إلى عامل يحد من تكافؤ الفرص أو يؤثر في جودة الخدمات والأشغال.

 

 

التحدي في التنفيذ

ورغم ما يتضمنه المرسوم من إجراءات تنظيمية، فإن الاختبار الأساسي للإصلاح سيكون في مدى قدرة المؤسسات المكلفة بتطبيقه على فرض احترام القواعد الجديدة، وضمان استقلالية الرقابة وفعالية المساءلة.

كما يظل قياس أثر الإصلاح مرتبطاً بمؤشرات عملية، من بينها مدى تحسن المنافسة على الصفقات، وتقليص آجال تنفيذ المشاريع، واحترام المواصفات الفنية، والحد من التجاوزات والتكاليف الإضافية.

ويفتح اعتماد المرسوم الجديد نقاشاً حول مدى كفاية تحديث النصوص القانونية والتنظيمية لمعالجة الاختلالات التي قد تواجه منظومة الصفقات العمومية، في غياب آليات فعالة للرقابة والتقييم والمحاسبة.

فبين إقرار قواعد أكثر صرامة وضمان تطبيقها على أرض الواقع، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح المنظومة الجديدة في إحداث تحول فعلي في إدارة الصفقات العمومية، أم أن أثرها سيظل مرهوناً بمدى التزام المؤسسات المكلفة بتنفيذها؟

أربعاء, 04/11/2026 - 21:33