من «GTA» إلى «مورفي أويل».. هل تفاوض موريتانيا على حصة أكبر أم عائد أفضل؟

يطرح اتفاق موريتانيا مع شركة «مورفي أويل» الأمريكية لاستكشاف منطقتي «C10» و«تيوف» البحريتين سؤالًا عن مدى استفادة البلاد من تجربة حقل الغاز «السلحفاة آحميم الكبير» في صياغة شراكاتها الجديدة. فبعد انتقال «GTA» إلى الإنتاج، أصبحت كلفة تمويل المشاركة الوطنية وأثرها في الإيرادات عناصر أساسية لتقييم أي اتفاق نفطي أو غازي مقبل.

وأعلنت «مورفي أويل» أنها ستتولى التشغيل بحصة تبلغ 90%، مقابل 10% محمولة التكاليف للشركة الموريتانية للمحروقات. لكن إعلان الشركة لم يوضح نطاق هذا التمويل ومدته وشروط استرداده، ولا الالتزامات التي قد تتحملها الشركة الوطنية عند الانتقال من الاستكشاف إلى التطوير والإنتاج. 

وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها من تجربة «GTA»، حيث احتاجت الشركة الموريتانية للمحروقات إلى تمويل مساهمتها في تطوير المشروع عبر اتفاقات تمويل مسبق مع «BP» و«كوسموس»، بضمان إيراداتها المستقبلية منه. وتؤكد مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية أن السداد يرتبط بإيرادات المرحلة الأولى وجزء من إيرادات المراحل اللاحقة، وأن مدة التمويل، وفق توضيحات الشركة الوطنية، تبلغ 17 عامًا. 

ويعني هذا الترتيب أن بدء تصدير الغاز لا ينعكس بالضرورة بكامل أثره على السيولة المتاحة للشركة الوطنية. فالإيرادات المرتبطة بمشاركتها تخضع لالتزامات التمويل، بينما تتحدد استفادتها الصافية بحجم الأقساط والفوائد وكلفة التشغيل وأسعار البيع.

وتوضح حسابات «كوسموس» حجم الأعباء التي يمكن أن تنشأ عن هذا النوع من التمويل. فبنهاية 2025، بلغ أصل المبالغ المستحقة على الشركتين الوطنيتين الموريتانية والسنغالية لدى الشركة نحو 355.5 مليون دولار، إضافة إلى 81.6 مليون دولار فوائد متراكمة. وتخص هذه الأرقام الشركتين مجتمعتين وتمويلات «كوسموس» وحدها، فلا تتيح تحديد مديونية موريتانيا منفردة أو مجموع التزاماتها تجاه الشركاء. 

ومن هنا، يصبح السؤال الأهم في اتفاق «مورفي أويل» متعلقًا بكيفية تمويل المشاركة الوطنية طوال عمر المشروع. فإذا كان تحمّل التكاليف مقتصرًا على الاستكشاف، فقد تواجه الشركة الموريتانية لاحقًا ضرورة توفير تمويل للتطوير. وعندها ستكون شروط الاقتراض وجدول السداد ومصادره عوامل حاسمة في تحديد ما ستقبضه فعليًا من عائد.

كما أن وصف المشاركة بأنها «محمولة التكاليف» يحتاج إلى توضيح ما إذا كانت النفقات المدفوعة عنها قابلة للاسترداد عند النجاح التجاري، وما إذا كانت تترتب عليها فوائد أو شروط تؤثر في الإيرادات المستقبلية. وهذه مسائل لم يحسمها البيان المنشور للشركة. 

وتبرز، إلى جانب التمويل، مسألة حق الدولة في زيادة مشاركتها. ففي يوليو 2023، أعلنت السلطات الموريتانية أن مشاركة الشركة الوطنية في المقطع «C10» تبلغ 10% محمولة خلال الاستكشاف، وتصل إلى 21% عند الإنتاج في حال اكتشاف حقل قابل للتطوير. وهو ما يجعل مصير هذا الحق في العقد الجديد أحد أبرز معايير المقارنة مع الترتيب السابق. 

فإذا احتفظت موريتانيا بإمكانية الزيادة، ينبغي توضيح كلفة ممارستها وكيفية تمويلها. أما إذا تغير هذا الحق، فيصبح من الضروري معرفة المقابل الذي حصلت عليه الدولة، سواء في نسب تقاسم الإنتاج، أو شروط التمويل، أو الالتزامات الاستثمارية الملزمة للشركة.

وفي عقود تقاسم الإنتاج، تؤثر قواعد استرداد التكاليف مباشرة في حجم العائد وتوقيته. فكلما ارتفعت النفقات القابلة للاسترداد، تأثر مقدار الإنتاج المتبقي للتقاسم. وتصبح الرقابة على موازنات التطوير وعقود الخدمات ونفقات التشغيل جزءًا من حماية نصيب الدولة، خصوصًا عندما يجمع الشريك الأجنبي بين إدارة العمليات والمساهمة في تمويل المشاركة الوطنية.

ومن الناحية الاقتصادية، يتطلب تقييم الاتفاق احتساب صافي الإيرادات على امتداد عمر المشروع، تحت سيناريوهات مختلفة للأسعار والتكاليف والإنتاج. فالحصة الأعلى قد توفر عائدًا أكبر، لكنها قد تستدعي تمويلًا أثقل. والحصة الأقل قد تكون أكثر ملاءمة إذا اقترنت بشروط مالية أفضل ومخاطر محدودة. ويُحسم الأمر بمقارنة التدفقات النقدية والالتزامات الفعلية.

وفي المقابل، يجب أن تراعي الشروط مخاطر الاستكشاف البحري، حيث يمكن أن تتحمل الشركة إنفاقًا كبيرًا دون الوصول إلى اكتشاف تجاري. وتتمثل مصلحة موريتانيا في موازنة الحوافز الممنوحة للمستثمر مع برنامج عمل واضح، وحد أدنى للإنفاق، وآجال للتنفيذ، وضمانات تتيح متابعة الوفاء بالالتزامات.

ولم يفصّل البيـانان المنشوران للشركة والوزارة برنامج الحفر أو قيمة الاستثمار الملزم أو شروط تمويل الشركة الوطنية. ويحد ذلك من القدرة على إصدار حكم مكتمل بشأن توازن الاتفاق الجديد. 

وتضع تجربة «GTA» أمام المفاوض الموريتاني معيارًا واضحًا للمساءلة؛ مقدار ما تستطيع الدولة والشركة الوطنية الاحتفاظ به من إيرادات بعد التكاليف وخدمة التمويل. أما اختبار اتفاق «مورفي أويل»، فيبدأ بالكشف عن شروط الحصة المحمولة، ومصير حق زيادة المشاركة في «C10»، وقواعد استرداد النفقات وتقاسم الإنتاج. وبمعرفة هذه البنود، يمكن تقييم ما إذا كانت موريتانيا قد ترجمت خبرتها السابقة إلى شروط تمنحها عائدًا أفضل من ثروتها البحرية.

جمعة, 06/11/2026 - 09:34