الأوهام الخطيرة للتفوق الهوياتي

من المقلق أن نلاحظ أنه في الوقت الذي كان فيه بلدنا بحاجة إلى نقاش فكري رفيع ومسؤول، يختار بعضهم إثارة أشباح التفوق الهوياتي القديمة.

فالحجة أصبحت معروفة: مجموعة معينة يُقال إنها «حررت» موريتانيا من الاستعمار، وبالتالي تمتلك حقًا تاريخيًا أعلى في البلاد، بينما يُفترض ببقية المكونات أن تكتفي بمكانة ثانوية. هذا المنطق ليس محل نقاش فحسب، بل هو هش تاريخيًا وخطير سياسيًا.

 

أولًا، إن مقاومة الاستعمار في موريتانيا لم تكن أحادية ولا حكرًا على طرف واحد. فقد دخل الاستعمار الفرنسي من الجنوب، عبر السنغال، وقد قاومت شعوب ضفتي نهر السنغال هذا التوسع منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أي قبل المواجهات التي شهدها وسط وشمال البلاد في مطلع القرن العشرين. إن التاريخ الوطني متعدد، ولا يمكن مصادرته.

 

ثانيًا، لا يمكن لأي كفاح أن يكون من صنع مجموعة اجتماعية واحدة. فخلف المقاتلين المسلحين كان هناك الحرفيون والمزارعون والنساء والعبيد والتابعون. ومن دونهم ما كانت أي مقاومة ممكنة. إن التاريخ يخص أيضًا أولئك الذين ظلوا في الظل.

 

إن موريتانيا المعاصرة تختلف جذريًا عن موريتانيا مطلع القرن العشرين. فالتوازنات القبلية القديمة لم تعد تحدد بشكل آلي مصير البلاد. لقد تحولت البنية الاجتماعية والديموغرافية والسياسية. والأغلبية التي ظلت صامتة طويلًا بدأت تستيقظ.

 

كما ينبغي التذكير بحقيقة غالبًا ما يتم تجاهلها: المجتمع الموريتاني بنية معقدة. فالعرب القادمون من مناطق أخرى، والحراطين، وأحفاد القبائل الأمازيغية التي اعتنقت الإسلام وتعربت، والمجموعات الزنجية الإفريقية — جميعهم يساهمون في بناء الوطن. ولا يمكن لأي مجموعة أن تدعي نقاءً أصليًا أو احتكارًا تاريخيًا.

 

 

مسار طويل من الامتزاج

 

 

حتى الوقائع الانتخابية نفسها تكشف هذه الحقيقة: فلم ينجح أي تيار قومي عربي في فرض نفسه بالاعتماد فقط على قاعدته التنظيمية. لقد كانت التحالفات مع الكتل الحراطينية أو مع دوائر قبلية مرتبطة بالسلطة عنصرًا حاسمًا دائمًا. وهذا يثبت حقيقة اجتماعية واضحة: لا توجد أغلبية ثقافية مستقلة دون إدماج فعلي لبقية المكونات، ولا سيما الحراطين.

 

وخارج حدودنا يقدم العالم العربي درسًا إضافيًا. فالوحدة اللغوية لم تمنع الانقسامات الهوياتية: القضية الكردية، والمطالب الأمازيغية، والصراعات القبلية في اليمن أو السودان. إن وهم التجانس الثقافي الحامي لا يصمد أمام الوقائع.

 

وفي موريتانيا، فإن أي محاولة للإقصاء الهوياتي تعيد بالضرورة إحياء جراح الماضي، خصوصًا تلك المرتبطة بأحداث 1989–1991 المأساوية. فهذا «الملف الإنساني»، بحجمه وخطورته، يشكل منعطفًا كبيرًا في تاريخنا المعاصر. ومحاولة التقليل من شأنه أو إذابته في قائمة متفرقة من الأحداث الثانوية لا تخدم السلم الاجتماعي ولا النضج الديمقراطي.

 

إن موريتانيا ليست كتلة متجانسة، ولا إرثًا حصريًا لمجموعة واحدة. إنها نتاج مسار طويل من الامتزاج، ومن النضالات المشتركة، ومن التحولات المتعاقبة.

 

فالتنوع ليس تهديدًا يجب تحييده،

بل هو الشرط ذاته لاستقرارنا.

 

إن مستقبل البلاد لا يكمن في الحنين إلى هيمنة متخيلة، بل في بناء مشروع وطني جامع، يقوم على المساواة والاعتراف المتبادل والعدالة.

 

أ. س. المختا

سبت, 07/03/2026 - 11:23