
من حسن حظ إيران أن غالبية المسلمين السنة لا يدعون لها بالنصر في المساجد كما فعلوا مع غزة التي دمرها الصهاينة وعاثوا فيها فسادًا، ذلك أن الله لا يستجيب دعوات الغافلين، أو كما قال الشاعر المصري الراحل محمد الأسمر: إن الله لا يستجيب دعاء النوم، وكأنه رحمه الله كان يتنبأ قبل ثمانين عامًا بما نشاهده الآن حين قال:
“اليوم ألسنة المدافع وحدها @ مقبولة الدعوات طاهرة الفم”.
لأن إيران لا تعتمد بعد الله إلا على قوتها وعتادها وإمكاناتها، فلم تطلب تضامن أحد ولا دعواته، فقط كف الأذى.
لكن المسلمين سيندمون بلا شك إذا أسفرت الحرب الجارية عن هزيمة إيران أو إخراجها من توازنات القوة في الشرق الأوسط، فمن التداعيات غير المشكوك فيها لذلك، من الزاوية الدينية تحديدًا، هدم الأقصى وبناء المعبد اليهودي أو ما يعرف بالهيكل الثالث.
فالحرب على إيران ليست حرب طاقة أو سيطرة على المضايق البحرية فقط، بل هي حرب معقدة متعددة الأبعاد والأغراض، وبناء إسرائيل للمعبد اليهودي مكان قبة الصخرة يدخل ضمن هذه الأغراض، بوصفه ذروة المشروع الصهيوني ونقطة ارتكاز الحلم التاريخي للشعب اليهودي.
من هنا تكتسب المواجهة اليوم مع إيران منطقها وخصوصيتها الملحمية الخفية، وهو ما يعني أيضًا بعدها المصيري بالنسبة للمسلمين، وهذا هو ما وضع إيران في عين هذه العاصفة كما يقال، فإيران هي القوة الوحيدة في العالم الإسلامي اليوم المستعدة والقادرة على تعطيل هذا المشروع والحيلولة دون العبث بالمشهد المقدس في فلسطين.
ويشير مصطلح الهيكل الثالث في التراث اليهودي إلى المعبد المركزي الذي كان قائمًا في القدس قبل ظهور المسيح وفق الرواية اليهودية. وقد بُني الهيكل الأول على يد النبي سليمان عليه السلام وظل قائمًا عدة قرون، ثم دمره ملك بابل نبوخذ نصر سنة 586 ق.م، ثم حدث السبي البابلي لليهود.
ثم عاد اليهود وبنوا هيكلًا ثانيًا، ثم دمره الرومان سنة 70 م خلال قمعهم لبعض انتفاضات اليهود. ومنذ ذلك التاريخ أصبح جبل الهيكل رمزًا دينيًا ومبكى تاريخيًا، وأكثر من ذلك طاقة رمزية تُستخدم في الجيوبوليتيك الصهيوني في توازنات القوة.
وهي فكرة على كل حال لم تعد مجرد فكرة لاهوتية أو انتظارًا في الخيال الغيبي، بل انخرطت بالفعل مراكز بحثية وجمعيات دينية مؤثرة في إعداد الدراسات المعمارية، وصياغة التصورات الهندسية، بل وإعادة تصنيع بعض الأدوات الطقسية التي يُقال إنها كانت تستخدم في الهيكل الأول والثاني.
من هنا تنبع المخاوف لدى كثيرين، حتى من غير المسلمين، من أن أي تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي سيشجع إسرائيل على الشروع في تنفيذ مخططها والإقدام على هدم المسجد الأقصى.
ومن المؤكد أن سقوط إيران أو تعرضها لهزيمة استراتيجية قاسية يعني – من زاوية حديثنا اليوم – إزالة واحدة من أكبر العقبات الجيوسياسية أمام هذا المشروع. فإيران يُنظر إليها منذ سنوات بوصفها القوة الإقليمية الأكثر صراحة في الدفاع عن المسجد الأقصى، كما أنها تبنت خطابًا سياسيًا ودينيًا يربط بين القدس والصراع مع إسرائيل على مستوى الهوية والحضارة.
وإذا ما تعرضت هذه القوة لهزيمة مدوية لا قدر الله تُضعف قدرتها على التأثير في توازنات المنطقة، فإن ذلك قد يغير الحسابات. ولا شك أن الدول الإسلامية الكبرى الأخرى في المنطقة لن ترضى عن الأمر وقد تعبر عن اعتراضات قوية اللهجة، لكن هذه الاعتراضات ستبقى في حدود الخطاب أو الضغط الدبلوماسي.
ومن المؤكد أنه إذا حدث تحول في سياق ميزان قوى جديد تميل فيه الكفة بشكل حاسم ونهائي لصالح إسرائيل، فإن العوائق أمام إسرائيل لن تكون عوائق معتبرة.
إن مشروع إسرائيل الكبرى لا يصح بدون بناء الهيكل الثالث، هذه حقيقة جيوستراتيجية واضحة. فالهيكل في نظر بنيامين نتنياهو هو الذي يحقق التوازن الرمزي بين المراكز الحضارية الدينية إلى جانب مكة المكرمة والفاتيكان.
إن إغفال هذه النقطة في النقاشات السياسية الإسلامية، إن لم يكن غباءً، فهو تقصير أو خوف. إن التركيز على أن إسرائيل تسعى للتوسع الجغرافي وضم المزيد من الأراضي غير عملي من عدة أوجه.
أولها أن إسرائيل تدرك حدودها الديموغرافية وصعوبة إدارة مساحات وسكان أكبر، ولكنها تستعيض عن ذلك بالرسوخ الرمزي والحضاري في المنطقة. والمعركة مع إيران تصب في هذا الاتجاه



.jpeg)

.jpeg)