
تجد موريتانيا نفسها اليوم عند لحظة حاسمة من تاريخها السياسي والجيوسياسي. فهي تتحرك في بيئة إقليمية تتسم بتوسع الأزمات الأمنية، وإعادة تشكل موازين القوى، وتصاعد التنافس الدولي حول الموارد الاستراتيجية. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي الحقيقي يقتصر على الحفاظ على الاستقرار فحسب، بل أصبح يتمثل في قدرة الدولة على تحويل مواردها الطبيعية إلى سيادة مستدامة، وقوة مؤسساتية، واستقرار سياسي طويل الأمد.
لقد أظهرت التجارب المعاصرة أن الموارد الطبيعية تمثل في الوقت نفسه فرصة للقوة وعاملًا محتملًا للهشاشة. فكثير من الدول الغنية بالمواد الأولية تحولت مواردها إلى أدوات للتبعية أو الفساد أو التفكك الداخلي، بسبب غياب مؤسسات قادرة على إدماج تلك الموارد ضمن استراتيجية وطنية متماسكة. وفي المقابل، نجحت بعض الدول في تحويل ثرواتها المعدنية أو الطاقوية إلى رافعة للتحديث، وتعزيز التماسك الوطني، وتقوية الدولة. والفارق بين هذه المسارات لا يكمن في حجم الموارد المتاحة، بل في الكفاءة السياسية والمؤسساتية للدولة التي تديرها.
وفي الحالة الموريتانية، تزداد أهمية هذه الرهانات بالنظر إلى امتلاك البلاد اليوم مجموعة من الموارد ذات القيمة الجيوسياسية العالية: الغاز البحري، وخام الحديد، والذهب، والإمكانات المحتملة لليورانيوم، إضافة إلى الثروة السمكية التي تُعد من بين الأهم على الواجهة الأطلسية الإفريقية. وفي وقت تسعى فيه القوى الكبرى إلى تأمين إمداداتها من الطاقة والمعادن، تمنح هذه الموارد موريتانيا أهمية جيوسياسية جديدة. فهي قادرة على تعزيز استقلالها الاقتصادي، وزيادة نفوذها الدبلوماسي، وتوفير الموارد المالية اللازمة لتحديث الدولة.
غير أن هذه الثروة المحتملة تحمل كذلك مخاطر كبرى. فالإفراط في الاعتماد على العائدات الاستخراجية يؤدي غالبًا إلى إضعاف المؤسسات الإنتاجية، وتقليص التنوع الاقتصادي، وتعزيز أنظمة إعادة توزيع تقوم على التوازنات السياسية أكثر من اعتمادها على التنمية الهيكلية. وعندما تصبح الريع المصدر الرئيسي لمداخيل الدولة، يبرز خطر قيام اقتصاد ضعيف القدرة على خلق فرص العمل، وعاجز عن استيعاب تطلعات جيل شاب متزايد العدد، ومعرض لتقلبات الأسواق الدولية.
ومن ثم، فإن التحدي الاستراتيجي الأساسي لموريتانيا يتمثل في تحويل الريع إلى تنمية إنتاجية. وهذا يقتضي توجيه عائدات الموارد الطبيعية نحو قطاعات قادرة على تعزيز الصمود الوطني بشكل دائم، مثل البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والتصنيع، والزراعة، والاقتصاد البحري، وتكوين الكفاءات. فمن دون هذا التحول الاقتصادي، قد تؤدي الموارد إلى تحقيق نمو إحصائي دون ترسيخ اجتماعي حقيقي أو استقرار سياسي فعلي.
وتقع مسألة الاستقرار الداخلي في صميم هذه الإشكالية. ففي دول الساحل، غالبًا ما تنبع الأزمات الأمنية من هشاشات داخلية، مثل التهميش المجالي، والبطالة الواسعة، وضعف الخدمات العمومية، والشعور بالإقصاء، وغياب الآفاق الاقتصادية. ولا يمكن لأي استقرار دائم أن يتحقق بالاعتماد على الجهاز الأمني وحده إذا استمرت الاختلالات الاجتماعية والمجالية. فالاستقرار السياسي يعتمد أساسًا على قدرة الدولة على إنتاج الشرعية، وضمان العدالة، وتعزيز العلاقة بين السلطة العمومية والمجتمع.
ومن هذا المنظور، تصبح الوحدة الوطنية متغيرًا استراتيجيًا أساسيًا. فما تزال موريتانيا تواجه تحديات مرتبطة بعدم المساواة الاجتماعية، والانقسامات التاريخية، والتفاوتات المجالية. وإذا بدا أن عائدات الموارد الطبيعية تتركز في يد فئات محددة أو تُوزع بشكل غير عادل، فقد يؤدي ذلك إلى تعميق التوترات بدل تعزيز الوحدة الوطنية. وعلى العكس من ذلك، فإن الحوكمة الشاملة والعادلة يمكن أن تحول الثروة الوطنية إلى عامل للاندماج السياسي، والاستقرار، وتعزيز الثقة في الدولة.
وإلى جانب هذه التحديات الداخلية، تبرز كذلك أبعاد جيوسياسية كبرى. فبحكم موقعها بين المغرب العربي والساحل والمحيط الأطلسي، تستقطب موريتانيا اهتمام عدد من الفاعلين الخارجيين: القوى الغربية، ودول الخليج، والصين، وروسيا، والشركاء الأفارقة. ويسعى كل طرف إلى تأمين مصالح اقتصادية أو طاقوية أو استراتيجية في منطقة أصبحت مركزية في التوازنات المستقبلية للقارة.
ومن ثم، فإن الخطر الذي يواجه موريتانيا ليس أمنيًا فقط، بل جيوسياسي أيضًا. فالدولة التي تمتلك موارد استراتيجية مع مؤسسات هشة قد تتحول سريعًا إلى ساحة نفوذ وتنافس بين المصالح الخارجية. وفي هذه الحالة، تبقى السيادة الشكلية قائمة، لكن القدرة الحقيقية على اتخاذ القرار تتراجع تدريجيًا بفعل التبعية المالية أو التكنولوجية أو الدبلوماسية.
ولهذا، فإن بناء دولة قوية يشكل اليوم الرهان المركزي للمسار الموريتاني. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية، بل بقدرتها على التخطيط طويل المدى، وضمان العدالة في توزيع الثروات، والحفاظ على استقلالها الاستراتيجي، وإلهام ثقة المواطنين. فالسيادة الحقيقية لا تكمن فقط في التحكم بالحدود، بل في امتلاك القدرة على التحكم في الخيارات الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية للدولة.
إن موريتانيا تمتلك اليوم فرصة تاريخية نادرة. فقليل من دول الساحل يجمع في الوقت نفسه بين الاستقرار النسبي، والموارد الاستراتيجية الكبرى، والانفتاح البحري، والموقع الجغرافي الحاسم. غير أن هذه الفرصة قد تتحول سريعًا إلى مصدر هشاشة إذا لم ترافقها رؤية وطنية واضحة، وحوكمة صارمة، وتحول مؤسساتي عميق.
وعليه، فإن التحدي الاستراتيجي الحقيقي لموريتانيا يتمثل في تحويل مواردها الطبيعية، ليس فقط إلى ثروة اقتصادية، بل إلى سيادة مستدامة، ووحدة وطنية، واستقرار سياسي. لأن قوة الدولة في الفضاءات الساحلية المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على ما تختزنه باطن الأرض، بل أساسًا على قدرتها على تحويل هذه الثروة إلى مؤسسات قوية، وشرعية سياسية، وقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية.
لبات ولد المعيوف
جنرال متقاعد



.jpeg)

.jpeg)