
في خضمّ ما تعيشه بلادنا اليوم من تصاعدٍ لخطابات الشرائح، وتبادلٍ للاتهامات، ومحاولات جرّ المجتمع إلى مربعات التصنيف والفرز العرقي واللوني، تتبادر إلى الذهن تلك القصة المؤثرة عن “الإخوة الأعداء”.
قصةٌ ليست مجرد حكاية عائلية، بل مرآة دقيقة لما قد تؤول إليه المجتمعات حين تنتصر الأحقاد الصغيرة على روابط الدم والمصير المشترك.
لقد عاش الأخوان سنوات طويلة في خصامٍ مرير، حتى مات الوالدان وهما يتحسران على أبناءٍ فرّقتهم القطيعة، ثم اكتشف أحدهما متأخراً أن اليد التي امتدت إليه في لحظة الانكسار لم تكن يد غريب، بل يد أخيه الذي أخفى معروفه حياءً ومحبة.
لكن الاكتشاف جاء متأخراً… جاء عند سرير الموت.
وهكذا هي الأوطان أيضاً.
حين تشتعل خطابات الكراهية، ويتحوّل الاختلاف الطبيعي بين مكونات المجتمع إلى مشروع عداوة دائمة، يصبح الجميع خاسراً، حتى أولئك الذين يظنون أنهم يربحون المعركة بالشعارات الحادة والخطابات التعبوية.
إن أخطر ما تفعله الخطابات الشرائحية والعنصرية ليس فقط أنها تزرع الكراهية في الحاضر، بل إنها تورّثها للأبناء، تماماً كما في القصة حين كبر أبناء الأخوين وهم لا يعرفون بعضهم البعض.
وهذا ما يجب أن نخافه على موريتانيا: أن نستيقظ بعد سنوات لنجد أبناء الوطن الواحد غرباء عن بعضهم، يتوارثون سوء الظن بدل الأخوّة، والمرارات بدل الذاكرة المشتركة.
موريتانيا لم تُبنَ بلون واحد، ولا بقبيلة واحدة، ولا بشريحة واحدة، بل قامت على تراكم تاريخي واجتماعي وثقافي شاركت فيه كل المكونات الوطنية.
وكل خطاب يحاول اختزال الوطن في فئة، أو تصوير مكونٍ بعينه كخصم تاريخي لبقية المكونات، إنما يعبث بأساس الاستقرار الوطني، مهما كانت النوايا والشعارات.
لا أحد ينكر وجود اختلالات اجتماعية أو مظالم أو تفاوت في الفرص، لكن معالجة هذه القضايا لا تكون بإشعال الأحقاد، ولا بتحويل المجتمع إلى معسكرات متقابلة، لأن النار حين تشتعل لن تسأل عن لون من تحرقه.
بل تكون المعالجة بالعدالة، والإنصاف، وتكافؤ الفرص، وترسيخ دولة المواطنة التي يشعر فيها الجميع أنهم شركاء لا خصوم.
لقد قال الله تعالى:
﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾
ولم يجعل شدّ العضد بالعداوة، ولا بالتحريض، ولا بالتصنيف.
إن ما تحتاجه بلادنا اليوم ليس مزيداً من الأصوات الغاضبة، بل مزيداً من العقلاء الذين يذكّرون الناس بأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرّقهم.
نحتاج خطاباً يداوي الجراح بدل أن يفتحها، ويبني الثقة بدل أن يغذّي الريبة، لأن الأوطان لا تُدار بالغضب، ولا تُحمى بالكراهية.
قد نختلف سياسياً، وقد نتباين اجتماعياً، لكننا في النهاية أبناء وطن واحد، إذا مرض تألم الجميع، وإذا سقط فلن ينجو أحد بمفرده.
وحتى لا يأتي يوم نبكي فيه جميعاً على وطنٍ أضعناه بأيدينا، يجب أن نتذكر دائماً تلك الحقيقة البسيطة التي اكتشفها الرجل متأخراً عند سرير أخيه:
أن الأقرب إلينا… ليس عدونا، بل سندنا الحقيقي حين تضيق الدنيا.



.jpeg)

.jpeg)