
كانت وما زالت هجرة معظم الموريتانيين خياراً إجبارياً فرضته الظروف الاقتصادية الصعبة. حيث دفعت بآلاف الكفاءات والشباب إلى مغادرة الوطن بحثاً عن لقمة العيش وتأمين مستقبل عائلاتهم.
في غربتهم، يكافح الآباء المهاجرون لتأمين تعليم راقٍ لأبنائهم، مدفوعين بأمل واهم في غدٍ أفضل. وبالموازاة مع ذلك، تواجه أسرهم داخل الوطن تحديات تربوية مخيفة بغياب الأب، خاصة مع الانتشار المرعب للمخدرات والفساد الأخلاقي؛ وهنا نرفع قبعة الفخر والاعتزاز لأمهات أسر المهاجرين اللواتي يحملن أمانة التربية وحيدات كحائط صد لحماية الأبناء وحفظ تماسك الأسرة. لكن الصدمة الكبرى تأتي بعد كل هذا العناء؛ حيث يتخرج الأبناء ليجدوا نفس الأبواب المغلقة في وطنهم، وينتهي مشوار التضحيات المشترك بسلوك الأبناء لطريق الهجرة ذاته.
هنا تسقط الأطروحة الكلاسيكية التي تفيد بأن "التعليم هو المصعد الاجتماعي للفقراء والمهمشين". فالحديث عن التعليم كحل لمواجهة التحديات الاقتصادية، ما لم تصاحبه إصلاحات سياسية وهيكلية جوهرية في الاندماج الاقتصادي الوطني، سيظل ناقصاً، وتتحول الشهادة إلى ورقة حائط.
تكمن العلة الأساسية في غياب معايير الكفاءة حيث تستأثر الطبقة الحاكمة والنافذة بخيرات البلد لنفسها وأبنائها، ويتداول الرأي العام باستمرار أمثلة عن إعادة إنتاج النخب لنفسها داخل مؤسسات الدولة، حتى أصبح الحديث عن وجود عدد معتبر من المسؤولين وأبناء المسؤولين في دوائر القرار موضوعًا متكررًا، مما يرسخ الانطباع بأن وظائف الدولة تُدار كـ "نادي عائلي مغلق".
ورغم السياسات والشعارات التي ترفعها الدولة بشأن تشغيل الشباب، إلا أنها تظل حبراً على ورق ومجرد مسكنات مؤقتة؛ ففرص إدماج أبناء المهاجرين والطبقات الهشة في الحركة الاقتصادية الوطنية تظل معدومة، لأن بنية الاقتصاد ومؤسسات التشغيل لا تتيح التنافس الشريف.
إن ما شهدته البلاد مؤخراً من هجرة لشبابها نحو الولايات المتحدة الأمريكية (والتي بلغت أرقامها التقديرية 40 ألف شاب) دق ناقوس الخطر. والسؤال الجوهري المطروح الآن: إذا كان هؤلاء الشباب قد هاجروا ، فما هو مستقبل أبنائهم؟
ولعل مدينة مثل كرو تقدم نموذجا واضحا لهذه الظاهرة؛ فقد عُرف رجالها تاريخياً بالهجرة والتجارة في غرب إفريقيا، واستثمروا في تعليم أبنائهم ورغم ذلك، ما زال أبناؤها مجبرين على الهجرة، أو "التهجير" بمعناه الأصح، لعدم استيعاب الوطن لطاقاتهم.
من رحم هذه المعاناة، ومن أجل وقف نزيف شباب الوطن وإعادة الأمل، نطالب فخامة رئيس الجمهورية باتخاذ خطوة استراتيجية تتمثل في: إنشاء مرصد وطني لتشغيل الشباب.
يعمل وفق المحاور التالية:
• الإحصاء الوطني الشامل: القيام بحصر دقيق وشامل لشباب الوطن ومستوياتهم التعليمية وتخصصاتهم لإنهاء العشوائية.
• سياسات تشغيلية واضحة: وضع خطط لتشغيل الشباب على المدى (القريب، والمتوسط، والبعيد) تضمن امتصاص البطالة وربط التعليم بسوق العمل.
• معالجة التفاوت والطبقية: أن يكون هذا المرصد بمثابة الحارس لتكافؤ الفرص، وملاذ الشباب وأملهم في الاستقرار والعيش الكريم داخل وطنهم، بدلاً من الهجرة.
بقلم محمد الحسن بلول



.jpeg)

.jpeg)