مرض "الحرطنة"

لا يحيل تعبير "مرض الحرطنة" بالطبع إلى الحراطين بوصفهم جزءا أصيلا من الشعب الموريتاني، ولا إلى ذاكرتهم الاجتماعية ولا إلى حقهم الكامل في الكرامة والإنصاف والمساواة. فهذه حقوق لا تقبل المساومة، ومسألة الحراطين جزء عميق من تاريخ الدولة والمجتمع، بما تحمله من تركة العبودية ومخلفات التراتب وأسئلة العدالة والتمثيل والاعتراف. وما نقصده بهذا التعبير هو ذلك المرض السياسي والرمزي الذي أصاب الخطاب حين تحولت "الحرطنة" من وضع اجتماعي وتاريخي إلى هوية احتجاجية مغلقة ومن مطلب إنصاف إلى أداة للفرز والتفرقة، ومن ذاكرة ألم إلى رأسمال تفاوضي حول السلطة والدولة وإعادة تعريف الشعب.

 

بدأت المسألة في أواخر السبعينيات، بلغة محتشمة تبحث عن الاعتراف الاجتماعي قبل دخول فضاء المزايدات السياسية. كانت عبارات من قبيل "الحر" و"أخي الحرطاني" و"أخوك الحرطاني"، تعبر عن رغبة أولى في كسر الصمت حول وضع موروث، وفي منح اسم لجرح ظل حاضرا في البنية الاجتماعية وغائبا عن الخطاب الوطني المعلن. في تلك اللحظة، بقيت "الحرطنة" أقرب إلى نداء كرامة داخل مجتمع آثر طويلا ترميم ظاهره على مواجهة طبقاته العميقة، ولم تكن قد أخذت بعد صورة هوية احتجاجية أو حجة عددية أو أداة ضغط منظمة على الدولة واستفزاز للمجتمع.
ومع مرور الوقت، خرجت المسألة من نطاق النداء الاجتماعي إلى فضاء المطالبة الحقوقية؛ حيث دخلت إلى التداول مفردات الانعتاق والتمييز ومخلفات العبودية والعدالة التاريخية والتمييز الإيجابي، وحتى "اجمبير"، وهي مفردات وجدت سندها في واقع اجتماعي لم تعالجه الدولة بالعمق الكافي. وقد اكتفت الحكومات المتعاقبة - في كثير من الأحيان - بالنصوص القانونية والخطاب الخشبي والتعيينات الرمزية، بالإضافة إلى المعالجة الأمنية في أوقات التوتر، من دون أن تكلف نفسها عناء بلورة سياسة وطنية متماسكة تعالج جذور الغبن في التعليم والملكية والعدالة والفرص والكرامة. وحين تترك الدولة فجوة بين الاعتراف الرسمي والتحول الفعلي، يكون على الخطاب الاحتجاجي أن يتقدم  ليملأها بلغته الخاصة، وليمنح المظلومية شكلا أكثر تماسكا وقدرة على التعبئة.
ثم حصل الانزياح الأخطر حين بدأ بعض الخطاب يتجاوز معالجة آثار العبودية ومخلفات التراتب الاجتماعي نحو محاولة بناء ذات سياسية مستقلة. صارت بعض النخب تتحدث عن الحراطين بوصفهم "مكونا" قائما بذاته، وعن كونهم أغلبية وعن أحقيتهم الخاصة في السلطة أو على الأقل في نصيب مميز منها. عند هذه النقطة يتغير جوهر المسألة، لأن المطالبة بالإنصاف تنتقل من كونها سؤالا وطنيا عاما إلى مشروع تموقع جماعي داخل الدولة. فحين تتحول المظلومية إلى هوية سياسية مغلقة، وحين يصبح العدد حجة في الاستئثار بالسلطة، وحين يحل منطق الجماعة التي وحدتها أشكال من المعاناة محل منطق المواطنة الجامعة، يبدأ المجال الوطني في الانزلاق نحو تنافس الذاكرات والجروح.

 

هنا يبدأ "مرض الحرطنة" بمعناه الدقيق؛ فالوعي بتاريخ الغبن قد يكون مدخلا للإصلاح، والمطالبة بالإنصاف الكامل حق مشروع داخل الدولة والمجتمع، غير أن المرض يظهر حين يتحول هذا الوعي إلى إطار مغلق لتفسير الذات والوطن والسلطة. تظهر أعراضه حين تصبح الحرطنة عدسة وحيدة لقراءة كل اختلال، وحين يتحول الجرح الاجتماعي إلى مصدر شرعية سياسية خاصة، وحين يجد الفرد نفسه مدفوعا إلى التفكير بوصفه عضوا في كتلة صهرتها المعاناة قبل أن يكون مواطنا في دولة جامعة. عندئذ تغادر القضية حدود العدالة الاجتماعية، وتتحول إلى بنية خطابية تنتج الاصطفاف وتعيد توزيع البراءة والاتهام وتصنع مشروعية سياسية تستند إلى الألم والوفرة المفترضة أكثر مما تستند إلى المشروع الوطني.

 

وقد زادت خطورة الظاهرة لأنها خرجت من نطاق نخبة محدودة دأبت على البحث عن تعيينات أو صفقات واتخذت صورة قاموس نخبوي أوسع. فالحرطنة، في صيغتها الجديدة، يراد لها أن تصبح موردا رمزيا للاحتجاج وأداة ضغط على الدولة والمجتمع ووسيلة تمنح صاحبها موقعا أخلاقيا متقدما في النقاش العام. وتمكن ملاحظة أن موجتها الحالية قد امتدت عدواها لتطال حقوقيين وديمقراطيين ومثقفين بارزين ولتصل حتى إلى نخب شبابية تفتح وعيها السياسي الأول في فضاءات اليسار الديمقراطي، بل وحتى في دوائر أقصى اليسار، ممن كان يفترض بهم امتلاك قدرة أكبر على نقد العصبيات المغلقة. ربما لأن سهولة الخطاب وقوة الجرح وضعف الدولة وتراجع السردية الوطنية الجامعة، جعلت هذا القاموس أكثر إغراء، باعتباره يقدم تفسيرا جاهزا للاختلال ويحول الانتماء الاجتماعي إلى منصة سياسية.
وتتجاوز خطورة هذه الظاهرة حدود النقاش الحقوقي والسياسي المباشر، لأنها تنقل مركز الجدل من إصلاح الدولة إلى إعادة توزيع المجتمع على هويات متواجهة. فبدل أن يتجه الضغط نحو بناء دولة أكثر عدلا ومدرسة أكثر إنصافا وعدالة أقرب إلى الضعفاء واقتصاد يفتح الفرص أمام الجميع، ينزلق الخطاب إلى طلب اعتراف خاص بجماعة سياسية قائمة بذاتها، وإلى تصور للسلطة يقوم على الذاكرة والديمغرافيا. وهذا التحول شديد الخطورة في بلد ما تزال وحدته الوطنية محمولة على توازنات هشة بين التاريخ والاجتماع والقبيلة والجهة واللغة واللون والمكانة، لأن كل نقل للغبن من مستوى العدالة إلى مستوى الهوية يفتح بابا جديدا أمام التشظي ومزيد من التشظي.
لقد أخطأت الدولة حين تعاملت مع هذا الملف بمنطق المناورة بعيدا عن الرؤية الاستراتيجية، إذ إن القضايا التي تمس الذاكرة والكرامة لا يمكن إطفاؤها بالسكوت ولا معالجتها بالمناصب كما أنها لا يمكن ضبطها بالمحاكم وحدها. وقد كشفت التجربة أن الجمع بين الترغيب والترهيب - أي بين التعيين في الوظائف والتضييق الأمني وبين الاعتراف الاستعراضي والإنكار العملي - لم ينتج حلا للمسألة وإنما ترك فراغا سياسيا ورمزيا ملأته الخطابات المتطرفة. وكلما أخفقت الدولة في تحويل المظالم إلى سياسات عامة، كلما تحولت تلك المظالم إلى هويات. وكلما تأخرت في بناء مواطنة عادلة، كلما تقدمت المواطنات الفرعية لتطالب بالاعتراف ثم بالتمثيل ثم بالحصة ثم بالسلطة.

 

ولا يقل خطر المجاملة عن خطر الإنكار، فالإنكار يدفع أصحاب المظلومية إلى مزيد من التصلب، والمجاملة تمنح الخطاب المغلق شرعية إضافية، وبينهما تضيع فرصة بناء مقاربة وطنية جادة تعترف بالتاريخ من دون أن تحبس الحاضر داخله، وتعالج التفاوت من دون أن تصنع مواطنات منفصلة، وتفتح الدولة أمام جميع أبنائها من دون تحويلها إلى حلبة محاصصة بين الجروح. فما تحتاجه البلاد هو خطاب يميز بين مسألة الحراطين بوصفها سؤال عدالة وطنية، والحرطنة بوصفها انحرافا هوياتيا في إدارة هذا السؤال. وبهذا التمييز وحده يمكن إنقاذ المسألة من التوظيف النخبوي وإنقاذ الدولة من وهم تأجيل الأسئلة الكبرى.
وتزداد خطورة "مرض الحرطنة" لأنه قد يفتح الباب أمام منطق قابل للتعميم؛ فكل جماعة تمتلك ذاكرة خاصة أو إحساسا بالغبن أو موقعا اجتماعيا مميزا، تستطيع - إذا ساد هذا المنطق - أن تعيد تعريف نفسها بوصفها كتلة تفاوضية داخل الدولة. وعندها تتراجع فكرة الشعب الواحد لمصلحة خرائط متجاورة من الهويات المتنافسة، وتتحول الدولة من إطار جامع للمواطنين إلى ساحة مساومة بين ذاكرات متخاصمة. وفي مثل هذا المسار يتآكل الأساس السياسي الذي يجعل العدالة ممكنة أصلا، لأن ما يحتاجه الإنصاف هو دولة جامعة وليس سوقا مفتوحة للمطالب الهوياتية.

وضمن هذا الإطار نكون أمام بلد يحتاج إلى شجاعة مزدوجة: شجاعة الاعتراف بأن مسألة الحراطين ليست وهما ولا ادعاء مصطنعا، وشجاعة القول بأن تحويلها إلى هوية سياسية مغلقة يهدد الحراطين أنفسهم، كما يهدد الدولة والمجتمع. فالحراطين لا يحتاجون إلى خطاب يعزلهم داخل قفص جديد باسم التحرر، وموريتانيا لا تستطيع أن تبني دولة حديثة فوق ذاكرة غير معالجة. والعلاج يبدأ من إنصاف مؤسسي عميق، ومن سياسات تعليم وملكية وعدالة وفرص وتمثيل تمنع بقاء أي مواطن في الهامش، وينتهي إلى مواطنة لا يضطر فيها الإنسان إلى الاحتماء بجرحه لكي يحصل على الاعتراف من وطنه. 

ولذلك فإن مواجهة "مرض الحرطنة" تقتضي في الوقت ذاته تحرير القضية من منطق الهوية المغلقة وتحرير الدولة من سياسات التأجيل والاحتواء وتحرير المجال العام من إغراء تحويل كل ألم إلى مشروع سلطة. فالإنصاف الحقيقي يعزز قوة الأمة، والعدالة حين يتم تأسيسها على المواطنة تعيد للدولة معناها الجامع، أما حين تترك الجروح لتتحول إلى هويات سياسية متقابلة، فإن الفكرة الوطنية نفسها تنتقل من إطار للوحدة الوطنية إلى موضوع للصراع المدمر.

 

مولاي سيد أحمد

اثنين, 25/05/2026 - 00:33