عيد الوحدة الإفريقية: تقليب في ملفات التحرر وأسماء لا تُنسى

حين انتهى القرن التاسع عشر كانت معظم إفريقيا قد وقعت تحت السيطرة الأوروبية. فرنسا سيطرت على أجزاء واسعة من غرب إفريقيا ووسطها، وبريطانيا تمددت من مصر إلى جنوب القارة، بينما فرضت بلجيكا سيطرتها على الكونغو، وحاولت إيطاليا وإسبانيا والبرتغال تثبيت نفوذها في مناطق أخرى؛ أي إن منطقة أوروبا الغربية، التي تقل مساحتها عن مساحة الكونغو الديمقراطية وحدها تقريبًا، تمكنت خلال عقود معدودة من إخضاع واستنزاف قارة إفريقيا بكاملها والتي تبلغ مساحتها أكثر من ثلاثين مليون كلم مربع.

 

في تلك المرحلة ظهرت إثيوبيا كاستثناء لافت، لأنها تمكنت بقيادة الإمبراطور منليك الثاني من هزيمة الجيش الإيطالي في معركة عدوة سنة 1896، رادة بذلك محاولة الاستعمار الإيطالي على أعقابها. هكذا أصبحت حالة إثيوبيا بالنسبة لكثير من الأفارقة، دليلًا على أن الأوروبي ليس قوة لا يمكن هزيمتها، وهو ما أهلها رمزيًا وبإصرار من الإمبراطور هيلا سيلاسي مريم لأن تصبح نواة فكرة الوحدة الإفريقية ومهدها السياسي، وهو ما يفسر اختيار أديس أبابا مقرًا لمنظمة الوحدة الإفريقية مع سنوات الاستقلال.

 

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت الإمبراطوريات الأوروبية تفقد قدرتها القديمة على السيطرة بسبب تناحرها فيما بينها، فظهرت حركات استقلال قوية داخل القارة الإفريقية المستعمرة يومئذ بالكامل تقريبًا. كان استقلال غانا سنة 1957 بقيادة أكوامي انكروما نقطة تحول هامة، لأن غانا أصبحت أول مستعمرة إفريقية جنوب الصحراء تحصل على استقلالها في تلك المرحلة. ولأن رئيسها كوامي نكروما لم يعتبر استقلال بلاده مسألة محلية فقط، بل رأى أن تحرر غانا يجب أن يكون بداية لتحرر القارة كلها، لذلك بدأ يدعو إلى تنسيق سياسي واقتصادي بين الكيانات الإفريقية الجديدة، وتحدث مبكرًا عن فكرة الوحدة الإفريقية، أو ما سماه الولايات المتحدة الإفريقية.

 

في الوقت نفسه برز دور الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي حاول ربط إفريقيا بالعالم العربي وبحركات التحرر في آسيا؛ فقد دعمت مصر الناصرية حركات التحرر الإفريقية سياسيًا وإعلاميًا بكل قوة وشاركت في تأسيس كيانات وتحالفات حاولت منح الدول الجديدة هامش استقلال عن أوروبا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أثناء الحرب الباردة.

 

ومع بداية الستينيات حصلت موجة استقلال واسعة داخل إفريقيا، وبدا في تلك اللحظة وكأن القارة تدخل مرحلة جديدة، لكن المشاكل ظهرت بسرعة. فقد دخلت الكونغو أزمة مباشرة بعد الاستقلال، شكلت اختبارًا حقيقيًا بوزنها وأهميتها لإفريقيا كلها حيث جرى اغتيال رئيس الوزراء والمناضل البارز باتريس لومومبا الذي كان يدعو إلى استقلال فعلي عن النفوذ الغربي والسيطرة الوطنية على الثروات. فأصبح اغتياله رمزًا لفشل الدول الإفريقية الجديدة في حماية مشاريعها التحررية من التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية.

 

في غرب إفريقيا أيضًا عرفت السنغال حالة شبه مماثلة لما جرى في الكونغو حيث تمت إزاحة رئيس الوزراء ممادو ديا المناضل السيادي وفاز خط صينغور الموالي للغرب بالدعم والتمكين الخارجي تمامًا كفوز خط جوزيف كازابو في الكونغو، وفي نفس التوقيت ظهر قادة مثل سيكو توري في غينيا وموديبو كيتا في مالي مصرّين على بناء سياسات أكثر استقلالًا عن فرنسا. سيكو توري رفض البقاء داخل المنظومة الفرنسية بعد الاستقلال، بينما حاول موديبو كيتا بناء اقتصاد أكثر سيطرة عليه من طرف الدولة. وفي شرق إفريقيا قاد جوليوس نيريري في تنزانيا تجربة قائمة على ما سماه “الاشتراكية الإفريقية”، وهي محاولة لبناء نموذج سياسي واقتصادي يستند إلى المجتمع المحلي بدل النقل الكامل للنماذج الأوروبية.

 

في الوقت نفسه كانت الثورة الجزائرية ضد فرنسا قد تحولت تدريجيًا إلى واحدة من أهم حروب التحرر في إفريقيا والعالم. ولأن فرنسا كانت تسيطر في تلك الفترة على أجزاء واسعة فقد رأى المناضلون الأفارقة في ثورة الجزائر معركة كسر النفوذ الفرنسي الواضحة فتقاطر نحوها المناضلون من كل جانب من أمثال فرانز فانون ونيلسون مانديلا وغيرهما.

 

وتحولت الجزائر بعد استقلالها سنة 1962 إلى مركز سياسي ودبلوماسي استقبل حركات التحرر الإفريقية وقدم لها الدعم والتدريب والغطاء الإعلامي، لكن هذه المشاريع واجهت صعوبات كبيرة، فالاقتصاد الإفريقي بقي مرتبطًا بتصدير المواد الخام، والجيوش أصبحت لاعبًا سياسيًا أساسيًا. كما أن الحرب الباردة حولت إفريقيا إلى ساحة تنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وبالتالي أصبح كثير من الصراعات المحلية أكثر ارتباطًا بالتوازن الدولي الأكبر.

 

أما في جنوب إفريقيا فقد برزت قضية أخرى مرتبطة بالسياق نفسه، وهي نظام الفصل العنصري، حيث كانت الأقلية البيضاء تحكم البلاد وتمنع الأغلبية السوداء من الحقوق السياسية والاقتصادية الأساسية.

 

قاد المؤتمر الوطني الإفريقي المواجهة الشعبية ضد النظام العنصري في جنوب إفريقيا وبرزت شخصيات مثل نيلسون مانديلا وأوليفر تامبو، واستمرت المعركة ضد الأبارتايد عقودًا حتى تحولت إلى قضية رأي عالمية، وقد رأى كثير من الأفارقة فيها استمرارًا مباشرًا للمنطق الاستعماري داخل دولة مستقلة رسميًا.

 

وفي بداية الثمانينيات ظهر جيل جديد من القادة الراديكاليين. من أبرزهم توماس سانكارا في بوركينا فاسو، الذي دعا إلى الاعتماد على الذات وتقليص النفوذ الأجنبي ومحاربة الفساد وإعادة الاعتبار للهوية الإفريقية؛ وحاول معمر القذافي في ليبيا بعد انهيار مشروع جمال عبد الناصر وتراجع فكرة الوحدة العربية أن يلعب دورًا إفريقيًا أكبر، فدعم مشاريع الوحدة الإفريقية ومؤسساتها، ودعا إلى بناء عملة إفريقية ومؤسسات سياسية وأمنية مشتركة، لكن نهاية الحرب الباردة غيرت التوازنات الدولية، حيث انهار الاتحاد السوفيتي، وأصبحت الولايات المتحدة والقوى الاستعمارية الغربية التقليدية أكثر هيمنة داخل النظام العالمي، وهكذا فرضت الدول الغربية المهيمنة على كثير من الدول الإفريقية الدخول في برامج هيكلة جديدة وسياسات خصخصة بإشراف المؤسسات المالية، بينما تراجعت المشاريع التحررية السيادية الكبرى التي ميزت مرحلة الستينيات والسبعينيات ونوعًا ما بداية الثمانينيات.

 

وفي الوقت نفسه شهدت القارة حروبًا أهلية وأزمات اقتصادية وانهيارات اجتماعية في عدد من الدول. ورغم ذلك لم تختف الفكرة الإفريقية الوطنية، ففي جنوب إفريقيا انتهى نظام الأبارتايد رسميًا في التسعينيات، وأصبح نيلسون مانديلا رئيسًا للبلاد، في الوقت الذي بدأت قوى دولية جديدة مثل الصين وروسيا والهند تكثف حضورها الاقتصادي والسياسي داخل إفريقيا، وهو ما منح بعض الدول الإفريقية هامش مناورة أوسع مقارنة بفترة الهيمنة الغربية شبه المطلقة.

 

وفي السنوات الأخيرة عادت مجددًا خطابات التحرر والوعي السيادي إلى الساحة من جديد، خصوصًا في منطقة الساحل، حيث ظهر قادة مثل إبراهيم تراوري في بوركينا فاسو وعاصمي غويتا في مالي وتياني في النيجر مقدمين أنفسهم باعتبارهم امتدادًا لتيار تحرري قديم يرفض استمرار النفوذ الغربي والفرنسي تحديدًا.

 

وفي جنوب إفريقيا يواصل سياسيون مثل يوليوس ماليما الحديث عن استمرار الاختلالات الاقتصادية رغم نهاية الأبارتايد السياسي، ويطالبون بتصحيح الوضع معتبرين أن البيض انسحبوا فقط من الواجهة ولكن شركاتهم وشبكاتهم الاقتصادية ما زالت متحكمة ومسيطرة.

 

إن هذا المسار الطويل، بما فيه من انتصارات وإخفاقات وتحولات، يجعل من عيد الوحدة الإفريقية مناسبة ليس للاحتفاء فحسب، بل لتقليب ملفات التحرر التي لم تُغلق بعد، واستحضار الأسماء التي شكلت هذا المسار منذ بداياته الأولى وحتى لحظته الراهنة.

جمعة, 29/05/2026 - 20:49