موريتانيا أمام مرآة السنغال: ديمقراطية بلا وعي وطني جامع؟

لا بد من الاعتراف بأن الديمقراطية في موريتانيا تواجه هشاشة أعمق من تلك الملاحظة في السنغال. ففي السنغال، وعلى الرغم من التوترات السياسية التي قد تكون حادة أحيانًا، تظل المعارضات والمواجهات عمومًا مندرجة داخل وعي وطني واحد. يتنافس الفاعلون السياسيون على السلطة، وعلى مشاريع مختلفة، ورؤى متباينة، لكنهم جميعًا يدافعون عن فكرة سنغال مشتركة وغير قابلة للتجزئة. ومن هنا تتحول المنافسة السياسية إلى مواجهة إيجابية، لأنها تجري داخل إطار وطني مشترك.

 

أما في موريتانيا، فالمسألة أكثر تعقيدًا وإثارة للقلق. فالمشكلة لا تكمن فقط في الاختلافات السياسية أو الاجتماعية، بل في ضعف الشعور الوطني ذاته. فما يزال جزء من الموريتانيين يجد صعوبة في التعرف الكامل على نفسه داخل هوية موريتانية جامعة. فبعضهم ينظر أكثر نحو السنغال، وآخرون نحو المغرب، فيما يشعر آخرون بالتهميش إلى درجة فقدان الثقة في أي مشروع جماعي. وحين تعجز أمة عن خلق شعور لدى جميع مواطنيها بأنهم ينتمون إلى جماعة مصير واحدة، تصبح الديمقراطية شديدة الهشاشة.

 

لا يمكن لديمقراطية صلبة أن تستمر طويلًا من دون قاعدة وطنية قوية. يمكن أن نتحاور، ونعارض، ونتواجه أحيانًا بقوة، لكن بشرط أن يقبل الجميع بالدفاع عن البيت المشترك نفسه. غير أن الانقسامات الهوياتية والعرقية والثقافية والتاريخية في موريتانيا حلّت، في حالات كثيرة، محل المصلحة الوطنية. وبدل أن يناضل الجميع معًا من أجل تحسين موريتانيا، ينتهي كثيرون إلى القتال فرادى، كلٌّ منغلق داخل انتماءاته أو إحباطاته. وهذا التفتت يضعف الدولة، ويبطئ التنمية، ويغذي حالة دائمة من انعدام الثقة بين مكونات البلد.

 

إن الدرس الحقيقي الذي ينبغي لموريتانيا أن تستخلصه من السنغال لا يتمثل في غياب الصراعات، فلا يوجد بلد خالٍ منها. الدرس يكمن في القدرة على الحفاظ على وعي وطني يعلو على الخلافات. فالشعب يمكنه أن ينجو من الأزمات السياسية، لكنه يصعب أن ينجو من انهيار الشعور بالانتماء الجماعي.

 

لذلك، حان الوقت كي ينظر الموريتانيون إلى أنفسهم بوضوح في المرآة. فالتحدي الرئيسي ليس اقتصاديًا أو سياسيًا فقط، بل هو قبل كل شيء تحدٍّ وطني. وما لم يناضل الموريتانيون معًا من أجل موريتانيا، بدل أن يناضل كل طرف منفردًا من أجل انتماءات متنافسة، فسيواصل البلد تقدمه بصعوبة.

 

إن بناء أمة يقتضي أن يشعر كل مواطن بأنه محترم، ومعترف به، ومندمج بالكامل في المشروع الوطني. وبهذا الشرط وحده يمكن للديمقراطية الموريتانية أن تصبح قوية، مستقرة وذات مصداقية.

 

اسلمو ولد حنفي

جمعة, 29/05/2026 - 21:30