
استمعت باهتمام إلى خمس صوتيات للنائب والمرشح الرئاسي السابق بيرام الداه اعبيد، تناول فيها قضايا بالغة الأهمية: المأمورية الثالثة، والحوار السياسي، ووضع المعارضة، وملف الفساد والرئيس السابق، ثم عسكرة القطاعات الحكومية. ورغم أهمية كل هذه الملفات، فإنني أتوقف اليوم عند الصوتية الثانية المتعلقة بالجولة الأخيرة من جلسات الحوار بين النظام والمعارضة.
ما لفت انتباهي هو أن بيرام، رغم انتقاداته الحادة للنظام ورغم ما يعتري المشهد السياسي من انعدام للثقة، لم يدع إلى المقاطعة ولا إلى إدارة الظهر لفكرة الحوار، بل طرح مقترحا بالاستعداد للمشاركة للمرة الأخيرة، على أمل أن تكون الجلسات جادة وتبحث عن مخرج للأزمة.
في تقديري، لا يمكن قراءة هذا الموقف إلا باعتباره تعبيرا عن حس وطني ومسؤولية سياسية. فحين يضع زعيم معارض خلافاته العميقة مع السلطة جانبا، ويترك الباب مفتوحا أمام فرصة أخيرة للتفاهم الوطني، فإنه يبعث برسالة مفادها أن مصلحة البلاد يجب أن تبقى فوق الحسابات الحزبية، وأن تجنب الانسداد السياسي والاحتقان الوطني مسؤولية جماعية.
إن قوة المعارضة لا تظهر فقط في قدرتها على الاحتجاج والرفض، بل أيضا في استعدادها لتقديم الفرص الممكنة للتوافق متى كان ذلك في مصلحة الوطن. وقوة السلطة، بدورها، لا تقاس بامتلاك أدوات الحكم وحدها، بل بقدرتها على الإصغاء وتحويل لحظات الشك إلى فرص لبناء الثقة.
لكن هنا تبرز أسئلة تستحق نقاشا وطنيا صريحًا:
إذا كان أحد أبرز رموز المعارضة قد ترك باب الحوار مفتوحا باسم المصلحة الوطنية، فهل ستلتقط السلطة هذه الإشارة وتتعامل معها بالجدية المطلوبة؟
وهل يمتلك النظام الشجاعة السياسية للانتقال من حوار إدارة الأزمة إلى حوار إنتاج الحلول؟
وهل تستطيع المعارضة، بمختلف مكوناتها، تحويل هذه الفرصة إلى أرضية مشتركة للدفاع عن إصلاحات حقيقية؟
وماذا لو ضاعت هذه الفرصة أيضا؟ هل نملك ترف إهدار فرصة جديدة للتوافق الوطني في محيط إقليمي مضطرب؟
وأخيرا: إذا كان الوطن أكبر من السلطة وأكبر من المعارضة، فمتى نصل جميعا إلى قناعة أن الحوار الجاد ليس تنازلا من أحد، بل انتصار لموريتانيا نفسها؟
احمد ولد عبيد



.jpeg)

.jpeg)