
يكشف موقف النائب بيرام الداه اعبيد من العفو الرئاسي الذي أصدره صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني عن غياب الحصافة السياسية والمرونة في التعاطي مع المبادرات الوطنية. فبدلا من التعامل مع المبادرة الرئاسية، التي نالت إشادة واسعة واستحسان الخصوم قبل الأصدقاء، اختار تحويلها إلى محطة جديدة للتصعيد وإذكاء الاحتقان، في مشهد غلبت فيه الخصومة السياسية على منطق الحكمة والمسؤولية.
فالعفو الرئاسي يعكس نهجا سياسيا ظل يميز مسار رئيس الجمهورية منذ توليه المسؤولية، قوامه تغليب التسامح على الانتقام، وإدراك أن العفو في موضعه يكون أبلغ أثرا وأقرب إلى الرحمة، متى اقتضت المصلحة العامة ذلك.
غير أن رد النائب بيرام جاء في الاتجاه المعاكس تماما؛ فبدل أن يتعامل مع هذه المبادرة بروح المسؤولية والإنصاف، اختار لغة الرفض المطلق والتشكيك والتجريح، متجاهلا ما تدعو إليه قيم الإسلام من مقابلة الإحسان بالإحسان، والتحية بأحسن منها أو على الأقل بمثلها. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، وهي قاعدة دينية عظيمة تؤسس لثقافة الاعتراف بالفضل، لا لمقابلة كل مبادرة حسنة بمزيد من التصعيد.
ولم يتوقف الأمر عند رفض العفو، بل عاد بيرام ليستحضر مفردات الفرز والتقسيم (بيظاني/حراطين)، ويغذي مشاعر المظلومية بطريقة لا تخدم التماسك الوطني، في رسالة توحي بأن خطاب التفرقة سيظل حاضرا كلما سنحت الفرصة. والحال أن من يطمح إلى أن يلعب دورا في بلد يضم مجتمعا متعدد المكونات عليه أن يكون خطابه جامعا، يعزز الثقة بين المواطنين، لا أن يعيد إنتاج أسباب الاستقطاب.
ومن المهم التذكير بأن الخطاب السياسي المتشنج للنائب بيرام، والبحث المستمر عن الصدام، وتجاوز الضوابط التي يفرضها العمل السياسي والبرلماني المسؤول، فالتجاوزات المتكررة للقانون، والتحريض المستمر على المؤسسات، وغياب التقدير السليم لطبيعة الأفعال هي التي أوصلت إلى مثل هذه النتائج. ومن يصنع مثل هذه الأجواء عليه أن يتحمل مسؤوليته عن النتائج المترتبة عليها، فالقيادة السياسية الجادة تقاس بقدرتها على تجنب أسباب الأزمات، لا بتغذيتها.
وفي المقابل، ظل صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني يؤكد، قولا وعملا، أن موريتانيا وطن واحد، وأن جميع أبنائها متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار سياسي، بل خيار استراتيجي لا يقبل المساومة. ولذلك جاء العفو الرئاسي منسجما مع هذا النهج، ومجسدا له على أرض الواقع.
فالشعوب لا تبحث عمن يرفع سقف الخصومة، وإنما عمن يحسن إدارة الاختلاف، ويبني الجسور بين المواطنين، ويجعل من السياسة وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية، لا لتوسيع مساحات الانقسام. وهذا هو الفارق الجوهري بين منطق الدولة، الذي يضع الوطن فوق كل اعتبار، ومنطق التصعيد، الذي لا يرى في كل مبادرة إلا فرصة جديدة للصراع.



.jpeg)

.jpeg)