ما بعد 4 يوليو في مالي: حدود القوة وتحول الأزمة إلى استنزاف مفتوح 

تكشف هجمات السبت 4 يوليو 2026 على مالي عن دخول الأزمة الأمنية فيها طورا أكثر تعقيدا من الاستنزاف المنظم. فقد استهدفت العمليات، وفق ما تقاطع من روايات ميدانية وإعلامية، مواقع متباعدة في غاو وأنفيس وأغلهوك وسيفاري وكينييروبا، ممتدة من الشمال إلى الوسط، وصولا إلى محيط قريب من العاصمة باماكو. ويمنح هذا الانتشار الجغرافي الواسع الحدث دلالته الأبرز، إذ سعى المهاجمون إلى إظهار قدرتهم على فتح جبهات متزامنة وتشتيت الجهد العسكري وفرض إيقاع أمني ضاغط على سلطة عسكرية جعلت من استعادة الأمن والسيادة أحد أعمدة شرعيتها السياسية.

وقد أعلنت القوات المسلحة المالية صد الهجمات والسيطرة على الوضع، مقدمة حصيلة أولية تحدثت عن مقتل 20 مهاجما في سيفاري و6 في غاو، في حين أعلنت جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين تبنيها أو مشاركتها في بعض العمليات، وسط استمرار الغموض بشأن تفاصيل السيطرة الميدانية وحجم الخسائر الفعلية.

تتجاوز الأهمية الاستراتيجية للهجمات حصيلة الخسائر ونتائج الاشتباكات المباشرة إلى ما كشفته من قابلية المجال المالي للاختراق المتزامن، ومن صعوبة تحويل الانتشار العسكري إلى سيطرة فعلية ومستقرة. فقد أجبرت الهجمات الجيش المالي على التعامل مع فضاء وطني واسع متداخل ومثقل بتوترات محلية وتاريخية عميقة. فغاو وأغلهوك وأنيفيس تفتح مجددا ملف الشمال ومعادلة أزواد، وسيفاري تستدعي هشاشة الوسط المالي بوصفه عقدة للإمداد والتمركز والحركة العسكرية، بينما تضيف كينييروبا بعدا نفسيا شديد الحساسية لقربها من باماكو.

 

وبهذا المعنى، تكون هجمات السبت قد حملت رسائل متعددة الاتجاهات؛ رسالة إلى الجيش المالي بشأن حدود سيطرته، ورسالة إلى الرأي العام بشأن هشاشة وعد الأمن، ورسالة إلى الشركاء الروس بشأن كلفة الانخراط في الدفاع عن نظام سياسي متورط في أزمات شديدة التعقيد، ورسالة أخيرة إلى دول كونفيدرالية الساحل بشأن صعوبة تحويل التضامن السياسي إلى قدرة أمنية مشتركة.
يؤكد ما وقع أن الجماعات المسلحة، رغم الضربات التي تعلنها باماكو من حين لآخر، ما زالت تحتفظ بقدرة معتبرة على التخطيط والتنسيق وامتلاك زمام المبادرة. وتكمن خطورة ذلك في أن صد الهجوم أو استعادة موقع أو إعلان السيطرة بعد ساعات من القتال، لا يلغي حقيقة أن الخصم استطاع اختيار التوقيت والمسرح ونمط الحركة. فالمؤشر الأعمق هنا لا يتعلق بنتيجة الاشتباك وحدها، وإنما بما يكشفه الهجوم من ثغرات في الاستباق الاستخباري وفي قراءة التحركات المعادية وفي قدرة الدولة على ضبط مجال واسع ومعقد. لذلك فإن السيطرة اللاحقة قد تحد من الأثر العسكري المباشر، لكنها تترك أثرا سياسيا ونفسيا يصعب تجاهله، لأنها تظهر الدولة في موقع رد الفعل وتمنح الخصم فرصة فرض صورته كفاعل قادر على المبادرة والضغط.

 

وتتضاعف خطورة الحدث بفعل التقاطع العملياتي بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين. فاختلاف الخلفيات والغايات النهائية لم يمنع الطرفين من بناء مصلحة ميدانية مشتركة، تقوم على إنهاك الدولة المالية وتقويض صورة الحسم التي تسوقها السلطة العسكرية وإرباك الحليف الروسي الذي جرى تقديمه في الخطاب الرسمي بوصفه الرافعة القادرة على تغيير ميزان القوة. وتنبع حساسية هذا التقاطع من أنه يجمع بين خبرة محلية دقيقة بجغرافيا الشمال وشبكاته الاجتماعية ومسالكه الصحراوية، وبين قدرة كفاحية متراكمة على إدارة حرب استنزاف مرنة وعابرة للمناطق. لذلك بدت هجمات 4 يوليو أكثر من عمليات متفرقة؛ لكونها عكست مستوى من التنسيق يسمح للخصوم بتوسيع مسرح الضغط وتوزيع الأدوار وتحويل تباين المشاريع إلى قوة ميدانية مؤقتة ضد باماكو وحلفائها.
تحتل أنيفيس موقعا خاصا في قراءة هذه الهجمات، فهي عقدة ميدانية في ميزان السيطرة على الشمال بعد تطورات أبريل الماضي كما أنها نقطة ذات صلة مباشرة بخطوط الحركة والتمركز وإعادة الانتشار في محيط كيدال. وتنبع قيمتها من كونها قد تشكل قاعدة ارتكاز لأي جهد مالي لاستعادة المبادرة في الشمال أو تقليص المكاسب التي حققها الخصوم خلال الأشهر الأخيرة. لذلك لا تبدو المعركة حول أنيفيس معزولة عن السياق العام، وإنما جزءا من صراع أوسع على تثبيت النفوذ والتحكم في الممرات ومنع باماكو وحلفائها من استعادة قاعدة ارتكاز تسمح بتعديل ميزان القوة في الشمال.
وضمن هذا السياق، تواجه باماكو أزمة أمنية في الميدان وأزمة سردية في المجال العام؛ فالسلطة العسكرية تحتاج إلى تثبيت صورة الدولة القادرة، ولذلك تأتي عبارة "الوضع تحت السيطرة" ضمن إدارة المعركة النفسية والسياسية، فضلا عن كونها توصيفا أمنيا لما جرى. وفي الجهة المقابلة، تعمل الجماعات المسلحة على تضخيم أثر الهجمات وإظهار الجيش في موقع الدفاع المستمر. وبين الروايتين تتشكل حقيقة أكثر تعقيدا، إذ ما يزال الجيش المالي يحتفظ بقدرة على الرد والمناورة، وإن كان لم يستعد بعد زمام المبادرة بالمعنى الاستراتيجي. ذلك أن المبادرة، في هذا النوع من الصراعات، تتجلى في القدرة على حرمان الخصم من تحويل المجال الوطني إلى مساحة ضغط مفتوحة.
وتضع هذه الهجمات النموذج الأمني الذي اختارته باماكو أمام امتحان بالغ الصعوبة؛ فقد قام الخطاب الرسمي خلال السنوات الأخيرة على وعد استعادة السيادة عبر القطيعة مع الشركاء الغربيين وبناء تحالفات بديلة، وفي مقدمتها الشراكة مع روسيا وفيلقها الإفريقي. غير أن تبدل الشركاء لم ينتج حتى الآن تحولا حاسما في معادلة الأمن. صحيح أن لغة السلطة تغيرت وأن شبكة التحالفات تبدلت، وأنه تمت إعادة ترتيب الرموز المستخدمة في الخطاب السياسي، غير أن الجماعات المسلحة حافظت على قدرة عالية على التكيف والمبادرة. ويكشف ذلك أن أصل الأزمة يتجاوز هوية الشريك الخارجي، ويتصل ببنية الدولة وبعلاقتها مع المجتمعات المحلية وبقدرة الجيش على العمل داخل بيئة اجتماعية وسياسية شديدة التعقيد.

 

كلما توسع اعتماد باماكو على المعالجة العسكرية الصرفة، كلما ارتفع سقف التوقعات وازدادت الحاجة إلى نتائج ملموسة وسريعة. ومع تأخر هذه النتائج، يتحول الخطاب السيادي نفسه إلى عبء سياسي على السلطة. فالجمهور الذي ربطت له باماكو بين تغيير الحلفاء واستعادة الأمن يواجه اليوم موجات هجوم متكررة، وتوترا في الإمدادات وضغطا متزايدا على العاصمة وغموضا يحيط بمستقبل الشمال. ومن هنا تنبع حساسية هجمات 4 يوليو، إذ إنها تمس قلب الشرعية الأمنية للنظام وتعيد فتح السؤال حول قدرة الحكم العسكري على إنتاج استقرار طويل المدى.
ومن جهة أخرى، تضع هذه الهجمات كونفيدرالية الساحل أمام اختبارها الأكثر جدية منذ تسريع مسار التنسيق بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر. فقد اتجهت الدول الثلاث خلال الفترة الأخيرة إلى تعميق التعاون الأمني والإداري، وشهدت واغادوغو اجتماعات لوزراء الأمن تناولت حرية الحركة وتوحيد إجراءات الرقابة والوثائق الكونفدرالية وآليات التعاون الداخلي. وتكشف هجمات السبت حجم الفجوة بين سرعة الفاعلين المسلحين في الحركة والتنسيق والاختراق، وبين بطء المؤسسات الجديدة في تحويل التضامن السياسي إلى قدرة أمنية مشتركة. فالجماعات المسلحة تتحرك بعقل شبكي مرن وتستفيد من امتداد الجغرافيا وتداخل الحدود، فيما ما تزال الكونفيدرالية في مرحلة بناء الأدوات والإجراءات، وهو ما يجعل الحدث المالي اختبارا مبكرا لمدى قدرة هذا الإطار الوليد على إنتاج أمن فعلي يتجاوز الخطاب السيادي المشترك.

 

أما بالنسبة لموريتانيا، فإن هذا الحدث يحمل إنذارا ينبغي التقاطه بجدية؛ فكل اهتزاز جديد في مالي سيترك أثره على الحدود وعلى الرعاة والتجار وعلى طرق الحركة وعلى شبكات التهريب وعلى التوازنات الاجتماعية في المناطق المتاخمة. وتكمن خطورة المسار الحالي في تراكم آثار التفكك البطيء داخل المجال المالي على شكل اضطراب في الطرق وتراجع لسلطة باماكو في الأطراف وتمدد اقتصاد الحرب. ومن هنا فإن الخطر على موريتانيا لا يأتي فقط من احتمال انتقال العنف بصورة مباشرة، وإنما من تحوله إلى بيئة إقليمية ضاغطة، تتآكل فيها الضوابط وتختلط فيها الحركة التجارية والرعوية بمسارات التهريب والتسلل والابتزاز الأمني.
تحتاج موريتانيا في هذه اللحظة إلى مقاربة تجمع ما بين اليقظة والهدوء، وهو ما يقتضي رفع مستوى الرصد الحدودي وحماية المواطنين والمصالح وتحديث تقدير المخاطر في المناطق المحاذية للحدود وخصوصا المناطق المتصلة بحركة الرعاة والتجار، مع الحفاظ على مسافة محسوبة من إيقاع التصعيد المالي. فباماكو قد تميل إلى توظيف التوتر الخارجي لتخفيف ضغط أزماتها الداخلية، والجماعات المسلحة قد تستفيد من أي ارتباك إقليمي لتوسيع هامش الحركة والضغط. لذلك تبدو المقاربة الأنسب لموريتانيا هي الجمع بين تعزيز اليقظة على الحدود وحماية المواطنين والمصالح والرصد المستمر لتحولات الميدان والاستعداد المبكر لسيناريوهات أكثر صعوبة.
وهكذا يمكن القول إن مالي دخلت مرحلة استنزاف ممتدة، تتآكل فيها قدرة الدولة على تحويل الرد العسكري إلى أمن وطني مستقر. فالهجمات الأخيرة وإن كانت لا تعني انهيار الدولة المالية، إلا أنها تكشف حدود قدرتها على ضبط المجال الوطني وفرض السيطرة على جبهات متباعدة. كما أنها وإن كانت لا تمنح خصوم باماكو نصرا نهائيا، إلا أنها تمنحهم مكسبا سياسيا ونفسيا يتمثل في فرض الحضور وإرباك السلطة وتحدي رواية الحسم التي يقوم عليها الخطاب الرسمي. أما موريتانيا، فينبغي أن تنظر إلى الحدث باعتباره مؤشرا إضافيا على أن الجوار الشرقي يتجه إلى مزيد من السيولة الأمنية، وأن إدارة هذا الواقع تقتضي رؤية مؤسسية طويلة النفس وقدرة على الاستباق وحركة محسوبة تحمي المصالح الوطنية من ارتدادات فوضى باماكو ورهاناتها المتقلبة.

 

مركز أودغست للدراسات الإقليمية

جمعة, 10/07/2026 - 13:42