أزواد: حين تخسر باماكو بالحرب وتربح الجزائر بالسياسة

بينما يتعرض معسكر أنيفيس لحصار تفرضه قوة تضم جبهة تحرير أزواد ورجال إياد أغ غالي، وبينما تقع الأرتال العسكرية المنطلقة من غاو في كمائن تابانكورت، وتتساقط المروحيات في رمال تابريشات، تجري على الضفة الأخرى من الحدود لعبة مختلفة، صامتة، متأنية، بلا بيانات نصر ولا أعلام مرفوعة أمام الكاميرات. تلك اللعبة تمارسها الجزائر منذ أكثر من ستين عامًا، وهي اليوم بصدد كسبها. ولا بد هنا من صياغة المفارقة بكل وضوح: فما تسعى إليه باماكو بالحرب، أي السيطرة على الشمال وكسب ولاء سكانه، تحققه الجزائر تدريجيًا بالسياسة، من دون أن تطلق رصاصة واحدة.

بدأت ملامح هذا التوسع الهادئ سنة 1963، حين تم سحق أول تمرد في أدرار إيفوغاس في إطار قمع ما تزال ذاكرته حاضرة بقوة في مخيال الشمال. وكل دورة عنف لاحقة، في 1963 و1990 و2006 و2012، دفعت موجات من اللاجئين الطوارق نحو الجنوب الجزائري، حيث استقبلتهم الجزائر، ثم أسكنتـهم، وأدمجت عددًا كبيرًا منهم تدريجيًا. وهكذا تحولت تمنراست وبرج باجي مختار وتين زاواتين في الجانب الجزائري إلى امتداد طبيعي لـكيدال وأبيبرا وتيساليت. واستقرت هناك عائلات بأكملها، وسجلت أبناءها في المدارس، وحصلت على وثائق، وفتحت متاجر، وبنت روابط دائمة. واليوم، يمتلك جزء كبير من النخب والشبكات التجارية الطارقية في شمال مالي امتدادات جزائرية مزدوجة، يمكن تتبعها عبر شبكات التجارة العابرة للحدود، وروابط السكن العائلي، ومنظومة النقل التي تصل بين جانبي الصحراء. فالاقتصاد الحقيقي في كيدال وجزء من غاو يتجه شمالًا: الوقود، والدقيق، والمعكرونة، والحليب المجفف، ومواد البناء، كلها تأتي من الجزائر، والرجال الذين يتحكمون في هذه التدفقات يعيشون فعليًا على جانبي الحدود.

ما عجزت الدولة المالية عن توفيره لهذه المجتمعات، منحته لهم الجزائر: خدمات، وفرصًا، وقدرًا من الاستقرار والتوقع. وليس في ذلك لا مؤامرة ولا كرمًا مجانيًا، بل هو تعبير عن سياسة ثابتة لدولة تعتبر جنوبها الكبير عمقًا استراتيجيًا، وتدرك أن استقرار تمنراست مرتبط بما يجري في كيدال. وبهذه المنهجية نفسها أصبحت الجزائر الوسيط شبه الدائم في كل أزمات الشمال، من اتفاق تمنراست 1991 إلى اتفاق الجزائر 2006 وصولًا إلى اتفاق 2015 الذي ظنت السلطة العسكرية في باماكو أنها تستطيع التنصل منه بعد إلغائه. لكن باماكو، حين مزقت ذلك الاتفاق، اعتقدت أنها تستعيد سيادتها، بينما كانت في الواقع تتخلى عن آخر إطار يعترف بسلطتها القانونية على الشمال، وتترك الجزائر وحدها ممسكة بالمفاتيح السياسية للمنطقة.

ويبدو التباين حادًا إذا ما قورن ذلك بأسلوب باماكو. فمنذ الهجوم المنسق في 25 أبريل، خسرت السلطة العسكرية كيدال وتيساليت، ولم يعد لها سوى التمسك بـأنيفيس وأغيلهوك كما لو أنهما آخر رهاناتها الترابية في المنطقة. وهي تتحدث عن سيادة مستعادة، في وقت يتفاوض فيه شركاؤها الروس من الفيلق الإفريقي على ترتيبات انسحاب، ويكتفون بتصوير مشاهد رفع الأعلام في بلدات محاصرة. وتتحدث عن استعادة السيطرة، بينما لم تعد قوافل الإمداد تصل. السيادة التي تدّعيها باماكو هي سيادة إعلان: بيانات، واستعراضات، وخطاب عسكري مرتفع. أما السيادة التي تمارسها الجزائر على الفضاء نفسه فهي سيادة فعلية: تُبنى بمنح الجنسيات، وتموين الأسواق، واستقرار العائلات، واستشارة الأعيان. الأولى تستنزف نفسها في التظاهر، والثانية تتراكم بهدوء عبر الزمن.

ويجب هنا الحذر من سوء الفهم. فالإقرار بعمق الحضور الجزائري في الشمال لا يعني اتهام الجزائر بضم زاحف، ولا إعفاء الجماعات المسلحة من مسؤولياتها، ولا إنكار أن جبهة تحرير أزواد تحمل أجندة انفصالية لا يُطلب من أحد تبنيها. لكنه يعني فقط التذكير بقاعدة بسيطة في حياة الدول: الناس يميلون إلى من يطعمهم ويوفر لهم العمل ويعالجهم ويحميهم. والدولة التي لا تقدم لا أمنًا ولا عدالة ولا خدمات، ولا تظهر إلا عبر الطائرة المسيّرة والبيان الرسمي، لا ينبغي أن تستغرب إذا ما تحولت ولاءات مواطنيها إلى فضاءات يصبح فيها العيش ممكنًا. فالمصير السياسي لأزواد لن يُحسم فقط في ساحة القتال في أنيفيس، بل يُحسم كل يوم عبر الخيارات الصامتة لعشرات الآلاف من العائلات التي تقرر أين تبني حياتها.

والخلاصة مرة ولكنها واضحة. فحين اختارت السلطة العسكرية في باماكو الخيار العسكري الخالص، وأغلقت باب التفاوض، وجرّمت مجرد كلمة الحوار، فإنها لم تكن تقاوم تقسيم مالي، بل كانت ـ من حيث لا تريد ـ تنظمه. فكل قصف يصيب مخيمًا، وكل قافلة لا تصل، وكل سنة دراسية تضيع، يدفع سكان الشمال أكثر فأكثر نحو أحضان جار لا يحتاج إلى غزو ولا إلى بيانات نصر. وإذا أرادت باماكو يومًا أن تستعيد سيادتها في الشمال خارج الورق والخطاب، فعليها أن تتعلم من جديد ما لم تنسه الجزائر يومًا: الأقاليم لا تُمسك بالقوة وحدها، بل تُمسك بالبشر،

 

مولاي ولد سيد احمد

سبت, 11/07/2026 - 12:47