قطاع مصرفي بلا ثقة كافية.. مأزق البنوك الخاصة في موريتانيا

يمثل القطاع المصرفي الخاص أحد أهم مفاصل الاقتصاد الوطني، بحكم دوره في استقبال الودائع، وتمويل الأنشطة الاقتصادية، ومواكبة الاستثمار، وتنظيم حركة الأموال. غير أن واقع هذا القطاع في موريتانيا يكشف عن اختلالات متراكمة تتعلق بجودة الخدمات، وشفافية التعامل مع الزبناء، وآليات منح القروض، ومستوى الرقابة على الممارسات البنكية.

فالبنوك، في أي اقتصاد حديث، لا يفترض أن تكون مجرد مؤسسات تجارية تبحث عن الربح، بل أدوات مالية منظمة، تخضع لقواعد صارمة، وتتحمل مسؤولية مباشرة في تمويل الاقتصاد وحماية أموال المودعين وضمان عدالة الولوج إلى الخدمات المالية.

غير أن تجربة كثير من المتعاملين مع البنوك الخاصة في موريتانيا تكشف عن ضعف واضح في المهنية المصرفية. ويتجلى ذلك في بطء الإجراءات، وغياب التواصل الفعال مع الزبناء، وصعوبة الحصول على معلومات دقيقة حول شروط القروض، ونسب الفائدة، وآجال السداد، والرسوم المترتبة على الخدمات.

وتطرح مسألة القروض واحدة من أبرز نقاط الضعف في علاقة البنوك بالزبناء. فكثير من العملاء لا يحصلون على شرح واضح للكلفة الحقيقية للتمويل، ولا على محاكاة دقيقة تبين قيمة الأقساط، ومدد السداد، والفوائد، والالتزامات المترتبة على العقد. وهذا الوضع يضعف الثقة في المؤسسة المصرفية، ويجعل العلاقة بين البنك والزبون محكومة بالغموض بدل الشفافية.

كما تعاني السوق المصرفية من ضعف في استراتيجيات استقطاب الزبناء وتوسيع قاعدة التعامل البنكي. فرغم حاجة الاقتصاد الوطني إلى رفع نسبة الولوج إلى الخدمات المصرفية، لا تزال بعض البنوك تعمل بعقلية محدودة، لا تراهن كثيرا على تقريب الخدمة من المواطن، ولا على تطوير عروض موجهة للشرائح الواسعة من المجتمع.

ويزداد هذا الخلل وضوحا خارج المدن الكبرى، حيث تبدو الخدمات المصرفية محدودة، والإجراءات أكثر تعقيدا، والثقة بين المواطن والبنك ضعيفة. وهو ما يجعل نسبة كبيرة من المواطنين والمؤسسات الصغيرة خارج الدورة المصرفية المنظمة.

ولا يقتصر الأمر على الحسابات الجارية والقروض الفردية. فالمعاملات التجارية والدولية بدورها تكشف حاجة البنوك الخاصة إلى تطوير أكبر في مجال الوساطة البنكية، والاعتمادات المستندية، والتحويلات، ومواكبة المستثمرين والشركات ذات النشاط الخارجي. فاقتصاد منفتح على التجارة والاستثمار لا يمكن أن يعتمد على قطاع مصرفي محدود الأدوات وضعيف المواكبة.

أمام هذا الواقع، تصبح الرقابة العمومية ضرورة وليست خيارا. فالدولة، عبر البنك المركزي والهيئات المختصة، مطالبة بتعزيز الإشراف على البنوك، ليس فقط من زاوية الاستقرار المالي، بل أيضا من زاوية حماية الزبناء وضمان شفافية الخدمات وعدالة المعاملة بين العملاء.

وشدد تقرير صندوق النقد الدولي، الصادر نهاية شهر يونيو الماضي، على أن البنك المركزي مطالب بمواصلة تعزيز الرقابة الاحترازية، وفرض احترام المعايير التنظيمية، وتحسين الحوكمة وإدارة المخاطر، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وضمان توافر الموارد الكافية لعمليات التفتيش والرقابة.

لكن هذه الرقابة ينبغي ألا تُقاس فقط بسلامة المؤشرات المالية للبنوك، وإنما أيضاً بمدى احترام حقوق العملاء، وشفافية الخدمات، وسرعة معالجة النزاعات، وعدالة التعامل مع مختلف فئات الزبناء

فالقطاع المصرفي لا يمكن أن يترك لمنطق السوق وحده. صحيح أن البنوك مؤسسات خاصة، لكنها تدير وظيفة ذات أثر عام، وتمس أموال المواطنين، وتمويل الاقتصاد، وثقة المستثمرين. ولذلك فإن تنظيمها ومراقبتها يمثلان جزءا أساسيا من حماية المصلحة العامة.

ويحتاج إصلاح هذا القطاع إلى قواعد أوضح في منح القروض، وإلزام البنوك بالشفافية في عرض نسب الفائدة والرسوم، وتبسيط الإجراءات أمام الزبناء، ووضع آليات فعالة للتظلم، إضافة إلى تطوير الخدمات الرقمية، وتوسيع شبكة الخدمات المصرفية لتشمل فئات أوسع من المواطنين.

كما أن المنافسة بين البنوك يجب أن تقوم على جودة الخدمة، وسرعة المعالجة، ووضوح العروض، لا على العلاقات أو الامتيازات الضيقة. فالمنافسة الحقيقية وحدها قادرة على دفع البنوك إلى تحسين أدائها وخفض كلفة الخدمات وتوسيع قاعدة الزبناء.

إن إصلاح القطاع المصرفي الخاص في موريتانيا ليس مسألة تقنية فحسب، بل شرط من شروط تحديث الاقتصاد. فلا يمكن الحديث عن استثمار قوي، أو تمويل فعال، أو شمول مالي حقيقي، في ظل بنوك لا تزال عاجزة عن بناء علاقة ثقة ومهنية مع الزبون.

والخلاصة أن البنوك الخاصة في موريتانيا مطالبة اليوم بالانتقال من منطق “الصناديق التجارية” إلى منطق المؤسسات المالية الحديثة. وهذا التحول لن يتحقق إلا برقابة أكثر صرامة، وخدمات أكثر شفافية، وثقافة مصرفية تجعل الزبون شريكا لا عبئا، وتجعل البنك رافعة للاقتصاد لا مجرد واجهة مالية محدودة الأثر.

 

 

ثلاثاء, 14/07/2026 - 16:54