
بينما تعيد الجزائر علاقاتها مع باماكو وتفتح قنواتها الدبلوماسية واسعة مع دول الساحل كلها، والمغرب أيضا كذلك لا يكل ولا يتعب في كسب السباق في هذا الاتجاه.
هناك فرسا رهان آخران هما السنغال وتشاد يتنافسان أيضا على أدوار جديدة في المنطقة بشكل جلي ، وتبقى موريتانيا وحدها، كالعادة، معلقة في تلك "المنطقة الرمادية" لا يعرف أحد على وجه اليقين إن كانت جارة أم غريبة، أم شريكاً ثانويا، أم مجرد حارس حدودٍ صامت.
أليس من السخرية أن نرى الجزائر، التي قطعت علاقاتها بالأمس تعود اليوم إلى مالي كفاعل أساسي، بعد أن طبعت علاقاتها بالنيجر ، وكأن شيئاً لم يكن؟
والأكثر سخرية أننا كنا نحتفل العام الماضي باضطراب العلاقات بين الجزائر ومالي؛ كنا نرى في ذلك فرصة للتشفي من "نظام باماكو العسكري"، وكنا نُصرّ على أن مالي كانت على خطأ و أن الجزائر على صواب ، وأن مالي هي التي تسببت في القطيعة، وأنها ستحصد عواقب ذلك سريعا، وكان ذلك بالنسبة لبعضنا - للاسف - مبعث نشوة ومصدر فرح ، وهو أمر لم يجد له أحد تفسيرا، ولا حتى الجزائريون أنفسهم .
والآن ها هي الجزائر اليوم تعود إلى مالي، وتُعيد علاقاتها بها وبحماس ولهفة ظاهرة، تذكر بقول نزار قباني :
ونسيت حقدي كله في لحظة
من قال إني قد حقدت عليه
كم قلت إني غير عائدة له
ورجعت، ما أحلى الرجوع إليه.
وكما هو معلوم فإن عودة هذه العلاقات لا تعجب أطرافا متعددة، وعلى رأس تلك الأطراف المملكة المغربية، التي قطعت أشواطا بعيدة في علاقاتها بمالي وبتحالف دول الساحل أثناء الأزمة مع الجزائر.
ولكن هذه الحسابات لا تعنينا، فنحن نختلف عن الجزائر، ونختلف كذلك عن المغرب، الجزائر دولة كبرى، لها تاريخها المستقل كمجال، ولها وزنها الإقليمي والدولي، و المغرب أيضاً، دولة عريقة لها مملكتها وسلطانها وتاريخها السياسي المستقل؛ كلا البلدين له استمرارية وخلفية تاريخية وسياسية تختلف عنا تماماً.
نحن تاريخنا مختلف، بجب أن نتقبل ذلك، لأننا إذا لم نتقبله فلن نبني استراتيجية قابلة للبقاء، إننا بلا استراتيجية خاصة في الساحل، هذا أمر تدركه الجزائر ويدركه المغاربة أيضا، ولهذا ينظر إلينا كل منهم كامتداد محتمل لاستراتيجيته هو، لأننا لم نتقبل بعد أننا تاريخيا كنا جزءاً من الإمبراطوريات المالية التاريخية، هذا ليس عيباً، بل هو حقيقة تاريخية يجب أن نفخر بها لا أن نتنكر لها؛ لأننا لم نكن مجرد تابعين أو هامشيين في تلك الإمبراطوريات، لا في مملكة غانا أو إمبراطورية مالي، وإمبراطورية الصونغاي، بل كنا وزراء ومستشارين، وعلماء، وتراجمة، ووسطاء، وحلقة وصل بين مراكز القرار في هذه الممالك وبقية العالم الاسلامي، بما فيه المغاربة أنفسهم، كنا نصوغ السياسة، وننقل الرؤى، ونصنع التوازنات ؛ كنا جزءاً من البنية الفكرية والسياسية لتلك الممالك، هذا التاريخ ليس عيباً، هذا التاريخ هو كنز، وهو ورقة رابحة، لو عرفنا كيف نستثمره في استراتيجيتنا الإقليمية، هذا التاريخ يمنحنا شرعية تاريخية في الساحل لا تملكها الجزائر ولا المغرب. نحن لسنا غرباء عن مالي والنيجر، نحن جزء من نسيجهما التاريخي، ونحن الأقدر على فهم تحولاتهما، والوساطة فيهما، والبناء على العلاقات معهما. لقد قلت ذلك في وغادوغو ببركينافاسو في أحد المهرجانات السنة الماضية.
لو كانت لدينا استراتيجية واضحة، ولو كنا ندرك قيمة تاريخنا ومكانتنا الطبيعية في الساحل، لاختلفت الأمور تماما في الساحل، لكان سيرغي لافروف مثلا زارنا أولاً، وأخذ رأينا قبل أن يضع قدميه في النيجر أو مالي، لأننا، تاريخياً وجغرافياً وثقافيا، الأقرب إلى قلب الساحل، والأكثر فهماً لتعقيداته، والأقدر على أن نكون جسراً بين القوى الكبرى ودول المنطقة.
و لكن لا أحد يعيرنا اهتماما، هذه هي الحقيقة التي يجب أن نتقبلها، الكل ينظر الينا باستصغار، لم يزرنا رئيس دولة واحد منذو بضعة أشهر ماعدى رئيس بنين الجديد الذي لا يعرف أحد من هو ولا ماذا يريد؟ وفي الحقيقة ليس هذا نقصا في رؤية الدول الكبرى لقيمتنا وموقعنا ، هذا خطؤنا نحن لأننا لم نصنع لأنفسنا موقعاً يجعل زيارتنا ضرورية؛ لم نقدّم أنفسنا كفاعل إقليمي، لم نستثمر تاريخنا وموقعنا، لم نبنِ استراتيجية، لأننا لا نستطيع لأننا، لأننا لا نعرف من نحن ، ولهذا بقينا كما كنا دوما، في تلك المنطقة الرمادية التي تجعل الآخرين يتجاوزوننا وكأننا لسنا موجودين.
سيرغي لافروف، أهم دبلوماسي في العالم اليوم، بتاريخ يمتد ثلاثين سنة في حقل الدبلوماسية ووزير خارجية روسيا الاتحادية، ثاني أقوى قوة عسكرية في العالم، يحل في منطقتنا ويعيد ترتيب أوضاع كثيرة بما في ذلك المصالحة بين باماكو والجزائر، فماذا فعلت وسائلنا الإعلامية؟ صمتٌ مطبق، و كأن الحدث لا يعنينا، كأننا لسنا جزءاً من هذه اللعبة الإقليمية، كأن وجود أقوى دبلوماسي في العالم على حدودنا المباشرة هو خبرٌ عابرٌ لا يعنينا، بل لا يستحق التغطية.
نوما سعيدا..
اسماعيل محمد خيرات



.jpeg)

.jpeg)