
منذ أكثر من ثلاثة عقود، تعاقبت المبادرات والاتفاقات الرامية إلى إنهاء الصراع بين الدولة المالية والمناطق الشمالية، إلا أن أياً منها لم ينجح في ترسيخ سلام دائم. فمن اتفاق تمنراست عام 1991 إلى اتفاق الجزائر لعام 2015، انتهت جميع المحطات تقريباً إلى التعثر أو الانهيار، قبل أن تعود المواجهات المسلحة إلى الواجهة.
ولا يمكن تفسير هذا الإخفاق المتكرر بعامل واحد. فقد لعبت هشاشة الدولة، والانقسامات الداخلية، وتعقيد المشهد الأمني، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، أدواراً مؤثرة في إضعاف فرص التنفيذ. غير أن ثمة عاملاً ظل حاضراً في معظم هذه التجارب، يتمثل في غياب رؤية مالية متكاملة تقود عملية التفاوض وتحدد بوضوح شكل العلاقة التي ترغب الدولة في بنائها مع شمال البلاد.
اتفاقات صنعتها الوساطات أكثر مما صنعتها باماكو
تميزت معظم اتفاقات السلام بأن الوسيط الإقليمي أو الدولي لم يقتصر دوره على تقريب وجهات النظر، بل أسهم بصورة مباشرة في صياغة بنود الاتفاقات وتحديد أولوياتها. وبذلك أصبحت النصوص تعكس بدرجات متفاوتة اعتبارات الوسطاء، سواء كانت مرتبطة بالأمن الحدودي أو الاستقرار الإقليمي أو إدارة الأزمات، أكثر مما تعكس مشروعاً سياسياً مالياً لإعادة بناء الدولة.
فاتفاق تمنراست عام 1991 جاء في ظل رغبة جزائرية في احتواء التوتر على حدودها الجنوبية، بينما وُقع الميثاق الوطني عام 1992 خلال مرحلة انتقال سياسي داخل مالي، دون أن يرافقه توافق وطني حول كيفية تنفيذ الترتيبات السياسية والإدارية التي تضمنها.
وتكرر المشهد في اتفاق الجزائر عام 2006، الذي ركز على احتواء التمرد وإعادة الهدوء إلى الشمال، قبل أن يأتي اتفاق واغادوغو عام 2013 بهدف تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية، أكثر من كونه معالجة شاملة لأسباب النزاع.
أما اتفاق الجزائر لعام 2015، فقد كان الأكثر شمولاً من حيث البنود، لكنه وُقع في ظرف كانت فيه باماكو تواجه تحديات عسكرية وسياسية كبيرة، بينما بقيت العديد من القضايا الجوهرية، مثل إعادة تنظيم الإدارة المحلية، وإصلاح المؤسسة العسكرية، وآليات التنمية في الشمال، دون توافق وطني سابق يضمن تنفيذها.
غياب مشروع وطني متكامل
تكشف مراجعة مسار المفاوضات أن الدولة المالية لم تبلور، طوال العقود الماضية، وثيقة مرجعية تحدد تصورها السياسي والإداري والأمني لمستقبل الشمال، أو ترسم حدود ما يمكن قبوله أو رفضه خلال المفاوضات.
وقد جعل هذا الفراغ الاستراتيجي كل جولة تفاوض تبدأ عملياً من الصفر، فيما كانت الحكومات المتعاقبة تتعامل مع نصوص صيغت في إطار الوساطات، ثم تواجه لاحقاً صعوبات كبيرة عند الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، سواء بسبب ضعف الإمكانات أو غياب التوافق الداخلي حول مضمون الاتفاقات.
كما أن النقاشات السياسية ظلت تتركز غالباً بين الحكومة والحركات المسلحة، بينما بقيت شرائح اجتماعية واسعة من سكان الشمال، إضافة إلى القوى السياسية والمؤسسات الوطنية، بعيدة عن المشاركة الفعلية في صياغة مستقبل المنطقة، وهو ما حدّ من فرص بناء توافق وطني واسع حول الاتفاقات.
الوساطة ليست المشكلة
لا يعني ذلك أن الوسطاء يتحملون وحدهم مسؤولية تعثر اتفاقات السلام. فمن الطبيعي أن تتحرك الدول الراعية وفق اعتبارات أمنها القومي ومصالحها الإقليمية. فالجزائر، على سبيل المثال، أولت أولوية لاستقرار حدودها الجنوبية ومنع انتقال التهديدات الأمنية إلى أراضيها، بينما انشغلت أطراف دولية أخرى بالحفاظ على الاستقرار الإقليمي أو دعم العملية السياسية.
غير أن نجاح أي وساطة يبقى مرتبطاً بوجود شريك وطني يمتلك تصوراً واضحاً لما يريد تحقيقه. وعندما يغيب هذا التصور، تصبح المفاوضات أقرب إلى إدارة أزمة آنية منها إلى تأسيس تسوية سياسية طويلة الأمد.
التقارب الجزائري المالي أمام اختبار جديد
يأتي التقارب الأخير بين باماكو والجزائر، الذي تُوج ببيان مشترك في 10 يوليو 2026 والاتفاق على إعادة السفراء، في ظرف إقليمي مختلف، لكنه يعيد طرح الأسئلة القديمة نفسها.
فقد جاء هذا الانفراج بعد تطورات ميدانية بارزة، من بينها معركة أنيفيس، وفي وقت تواجه فيه مالي تحديات أمنية مستمرة في الشمال، إلى جانب تغيرات في البيئة الإقليمية عقب تأسيس تحالف دول الساحل وإعادة رسم التحالفات العسكرية والدبلوماسية.
ويمثل استئناف الحوار فرصة لإعادة بناء قنوات التواصل بين البلدين، لكنه لا يضمن وحده معالجة الأسباب البنيوية للصراع، ما لم يقترن برؤية مالية واضحة بشأن مستقبل الشمال، وبحوار وطني واسع يشمل مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين.
بين إدارة الأزمة وبناء السلام
تكشف تجربة العقود الماضية أن الاتفاقات التي تنجح في وقف إطلاق النار ليست بالضرورة قادرة على بناء سلام دائم. فاستدامة أي تسوية تتطلب توافقاً وطنياً حول طبيعة الدولة، وآليات تقاسم السلطة، والتنمية، والأمن، والعدالة، إضافة إلى وجود مؤسسات قادرة على تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
ولهذا، فإن نجاح أي مسار تفاوضي جديد لن يتوقف على اختيار الوسيط أو مكان المفاوضات بقدر ما سيتوقف على قدرة الدولة المالية على الدخول إلى طاولة الحوار وهي تحمل مشروعاً وطنياً متكاملاً يحظى بقبول داخلي واسع. فالتجربة الممتدة منذ مطلع التسعينيات توحي بأن السلام المستدام لا يصنعه الاتفاق وحده، بل يصنعه التوافق الوطني الذي يمنحه القدرة على الصمود بعد انتهاء مراسم التوقيع.
احمد الهادي



.jpeg)

.jpeg)