
دأبت الساحة السياسية الوطنية، رغم ما فيها من تنافس واختلاف، على قدر من اللياقة في التعامل مع المنسحبين؛ فالأحزاب، في الغالب، لا تجعل من قرار الانسحاب معركةً مفتوحة، ولا تحوّله إلى مناسبة لتصفية الحسابات، بل تكتفي بالتقدير، أو بالصمت، أو بتمني التوفيق لمن اختار طريقًا آخر.
أما أن يُستنفَر المنتسبون، على اختلاف مستوياتهم، ليجتمعوا على كل منسحب وحده، لمجرد أنه اختار الانسحاب، فيُنال منه، وتُفتَّش نواياه، وتُشوَّه صورته، ويُعاد تأويل تاريخه، بل ويصل الأمر أحيانًا إلى إنكار انتمائه ودوره بالأمس؛ فذلك، لعمري، أمر يتجاوز الخلاف السياسي إلى سلوك لا يليق بالحياة السياسية، ولا يشرّف من يمارسه.
إن الانسحاب من حزب ليس خيانةً للوطن، ولا جريمةً سياسية، كما أن الانضمام إليه لم يكن يومًا عقدَ ملكيةٍ على الأشخاص. الأحزاب أوعية سياسية، يدخلها المرء بقناعة، ويغادرها بقناعة، وقد تتغير المواقع والخيارات والاصطفافات، لكن الذي لا ينبغي أن يتغير هو أخلاق الاختلاف، واحترام الإنسان، وحفظ الجميل، وصون الذاكرة.
والسياسة الرشيدة لا تقيس قوة التنظيم بقدرته على مهاجمة من غادره، وإنما بقدرته على احترام من اختلف معه. أما تحويل كل منسحب إلى خصم، وكل مخالف إلى متهم، وكل خروج إلى مناسبة للتشهير، فليس دليل قوة؛ بل قد يكون، في كثير من الأحيان، تعبيرًا عن قلقٍ أعمق من مجرد خلاف عابر.
إن من الحكمة أن يُدار الخلاف بقدر من الرزانة يحفظ للجميع كرامتهم؛ لأن المعارك السياسية تنتهي، والبيانات تُنسى، والمنشورات تتوارى، أما الأثر فيبقى.
وما بين الأثر الطيب والأثر السيئ بون شاسع؛ وكلاهما يعود إلى صاحبه، عاجلًا أو آجلًا، وبردة فعل تتناسب غالبًا مع ما تركه وراءه من احترام أو إساءة.
لا تجعلوا من لحظة اختلاف عابرة سببًا لندمٍ دائم؛ فربما تتغير المواقع غدًا، لكن ما قيل اليوم قد لا يُستعاد، وما كُسر من جسور الاحترام قد لا يُبنى من جديد.
د محمد الأمين شريف أحمد



.jpeg)

.jpeg)