
قال سان جوست، أحد أبرز قادة الثورة الفرنسية "إن من يقوم بثورة الى النصف ثم يتوقف، إنما يحفر قبره بيديه" وهذه العبارة على عمقها لا تصف مصير قادة الثورات الناقصة وحدهم، بل تكشف مصير الدول أيضا، لأن ما تعجز الثورة الناقصة عن الاقدام عليه تتكفل القوى المضادة بحسمه في الاتجاه المعاكس.
لطالما راودني شعور بضرورة إعادة النظر إلى تجربة الرئيس محمد ولد عبد العزيز بوصفها نموذجًا للثورة المترددة أوالناقصة، فهو رغم التناقض الذي أظهره منذو البداية مع المنظومة القديمة المتحكمة الا أنه لم يقدم على القطيعة الكاملة معها، رغم رفضه الخضوع لقواعدها.
كذلك رفض أن تكون موريتانيا امتدادًا للسياسة الفرنسية في الساحل ومالي تحديدا، لكنه لم يقطع معها بل دخل في شراكات معقدة وعميقة معها، وتتبع ملفات الفساد، لكنه اكتفى في كثير من الحالات باسترجاع ما أقر أصحابه باختلاسه، ثم تركهم أحرارًا. و دخل في مواجهات مع شركات التعدين لكنه ظل يفاوضها ويمارس معها سياسة الشد والجذب ، وكان يعين شخصيات تحوم حولها شبهات الفساد، ثم يكتفي بمراقبتها بدل إقصائها أو محاسبتها. حاول الجمع بين الحرية والحزم، وبين الديمقراطية والصرامة ، معتقدا أن التوازن يغني عن الحسم.
لقد فعل بالضبط ما حذر منه كل الاسترتيجيين في التاريخ ، وهو المشي في منتصف الطريق، لأنه في قضايا الحكم وفي بيئات تتسم بتناقض المصالح الحاد، فإن ما يترك معلقا في المنتصف دون حسم سرعان ما تحسمه قوى مضادة لا تعرف الوسط، ولا تؤمن بالتدرج، ولا تميز بين أخطاء المرحلة السابقة وإنجازاتها، فتأتي على الاثنين معا.
والحقيقة أننا قد نجد لرؤيته بعض التبريرات فالبنية المجتمعية و الخلفية التاريخية والجغراغية لهذا البلد جعلت منه على الدوام مجال تسوية لا ساحة حسم وصدام
وربما لهذا السبب فإننا في هذا البلد ننظر إلى كلمة "الثورة" نفسها بكثير من الخوف والحذر، فهي في المخيال الجمعي ترتبط بالفوضى والدمار أكثر مما ترتبط بالتجديد والتأسيس، ونميل، أو كثير منا يميل إلى الاعتقاد بأن الزمن وحده كفيل بحل الأزمات
والحقيقة أن تجربة ولد عبد العزيز ليست الوحيدة في غرب افريقيا فقد قدم لوران غباغبو في كوت ديفوار أيضا مثالًا مشابهًا؛ لقد حاول هو الآخر أن يوازن بين مشروع تغييري و حسم تحرري وبين المحافظة على جزء من البنية السياسية القائمة؛ دخل في مواجهة مع النفوذ الفرنسي، لكنه لم يحسم تلك المواجهة حتى نهايتها، وبقي يتحرك في المنطقة الفاصلة بين القطيعة والتسوية، فكانت النتيجة أن أُطيح به، بشكل عنيف وأحيل الى محكمة لاهاي وقضى سنوات في السجن بعيدا عن وطنه، بينما جاءت القوى المضادة بقيادة الحسن واتارا لتعيد تشكيل المشهد السياسي في اتجاه معاكس.
وعلى النقيض من ذلك، تبدو التجربة الحالية في دول الساحل مختلفة في منطقها تماما، فقد تجنب قادة هذه البلدان أخطاء عزيز واغباغبو كليهما فجرت قطيعة شاملة مع المنظومة التي يعتبرونها مسؤولة عن تبعية بلدانهم واستغلال مواردهم وتحكم الشركات الناهبة في ثرواتهم وهي المنظومة التي تخلق بيئات الفساد وتغذيها في الغالب؛ ولم يحاولوا البراغماتية ولا الجمع بين المهادنة و الحسم بل راهنوا على الحسم الواضح دون تردد مستفيدين من التحولات الدولية الجارية، ومستفيدين من تراجع الأحادية القطبية و محاولين بكل حزم إعادة رسم خيارات بلدانهم الإستراتيجية.
إن طريقهم محفوف بالمخاطر بدون شك، فالثورة الكاملة ليست طريقًا مريحا ولا آمنا، وقد تنتهي إلى الفشل وقد تنتهي إلى النجاح، لكن من يختار هذا الطريق وهو يخشى مخاطره ويتردد بشأنه أو يتراجع وهو في منتصفه ، إنما يضع نفسه في أخطر المواقع جميعًا؛ بل انه بالفعل يحفر قبره بيديه كما قال سان جوست ، لأنه يستثير قوى الفساد دون أن يحسم معها، ويستفز قوى المصالح المهددة في الخارج والداخل دون أن يهزمها ويقضي عليها.
وهكذا، فإن الثورة الناقصة لا تؤسس لاستقرار دائم، وإنما تمهد الطريق، في كثير من الأحيان لتيارات مضادة ناقمة أكثر تطرفًا، لا تريد إزالة أخطاء المرحلة السابقة فقط، بل تهدم معها إنجازاتها أيضًا، فتقود المجتمع إلى وضع قد يكون أسوأ مما كان عليه قبل أن تبدأ رحلة التغيير الناقصة؛ وربما كانت هذه هي إحدى المفارقات الكبرى في التاريخ: أن المجتمعات التي تخشى الثورة أكثر من اللازم، قد تجد نفسها تدفع في النهاية ثمنًا أكبر بكثير من ثمن الثورة نفسها.



.jpeg)

.jpeg)