
يكشف تقرير صندوق النقد الدولي الأخير حول موريتانيا عن مفارقة واضحة بين تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية واستمرار مستويات مرتفعة من الفقر والهشاشة الاجتماعية.
ففي الوقت الذي حافظ فيه الاقتصاد الموريتاني على قدر من الاستقرار، وسجل القطاع غير الاستخراجي نموًا إيجابيًا، وتحسن وضع الحساب الخارجي والاحتياطيات، ما تزال نسبة الفقر متعدد الأبعاد مرتفعة عند 56.9%، وفق ما أورده التقرير استنادًا إلى مؤشر الفقر متعدد الأبعاد لعام 2025. كما جاءت موريتانيا في المرتبة 132 من أصل 167 دولة في مؤشر أهداف التنمية المستدامة.
ويشير التقرير إلى أن التحديات الاجتماعية في موريتانيا لا ترتبط فقط بمستوى الدخل، بل تشمل أيضًا ضعف الولوج إلى التعليم والصحة والماء والكهرباء والخدمات الأساسية، إضافة إلى فجوات كبيرة في البنية التحتية ورأس المال البشري.
ويظهر الرسم المتعلق بالإنفاق الاجتماعي في التقرير أن موريتانيا ما تزال تنفق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية بمستويات أقل من مجموعات الدول المقارنة. ويرى الصندوق أن بلوغ أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030 في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية الأساسية يتطلب تمويلًا إضافيًا يتجاوز 19% من الناتج المحلي الإجمالي.
ورغم أن النمو الاقتصادي يوفر موارد إضافية للدولة، فإن طبيعته تظل أحد أبرز التحديات. فالاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على القطاعات الاستخراجية، مثل الذهب والحديد والغاز، وهي قطاعات قادرة على رفع الناتج والإيرادات، لكنها لا توفر بالضرورة عددًا كبيرًا من فرص العمل المباشرة.
ولهذا يركز البرنامج الجديد بين موريتانيا وصندوق النقد على تقليص الفقر، وتقوية رأس المال البشري، وتشجيع نمو يقوده القطاع الخاص، بما يسمح بتوسيع النشاط الاقتصادي وخلق وظائف أكثر استدامة.
كما يربط التقرير استمرار الهشاشة الاجتماعية بتأثير الصدمات الخارجية، خصوصًا ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، والاضطرابات على الحدود مع مالي، وتزايد تدفقات اللاجئين، والضغوط التي تفرضها هذه التطورات على الموارد والخدمات العامة.
وقد ارتفع التضخم من 4.1% في ديسمبر 2025 إلى 7.6% في أبريل 2026، مدفوعًا خصوصًا بأسعار الغذاء والمشروبات. ويشكل هذا النوع من التضخم ضغطًا أكبر على الأسر الفقيرة، لأن الغذاء والنقل والطاقة تستحوذ على جزء كبير من إنفاقها.
ويعول التقرير على السجل الاجتماعي باعتباره أداة أساسية لتحسين توجيه المساعدات. ويغطي هذا السجل أفقر 40% من السكان، ويمكن استخدامه لتحديد الأسر الأكثر تضررًا من ارتفاع الأسعار وتوجيه التحويلات النقدية إليها وفق مستوى الدخل ومكان الإقامة ومدى التعرض لارتفاع تكاليف النقل والغذاء.
وفي مشروع الميزانية المعدلة لسنة 2026، خصصت السلطات نحو 3.9 مليارات أوقية جديدة لإجراءات اجتماعية مؤقتة وموجهة، بهدف تخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الأسر الهشة. وتشمل هذه المخصصات دعمًا لمواجهة ارتفاع أسعار الغاز وتعويضات مرتبطة بإصلاح أسعار المحروقات.
غير أن الحماية الاجتماعية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة الفقر بصورة مستدامة. فالتقليص الحقيقي للفقر يتطلب رفع جودة التعليم والصحة، وتوسيع الوصول إلى الماء والكهرباء، وتحسين البنية التحتية، وخلق وظائف منتجة، خاصة في القطاعات القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمال.
كما يتطلب الأمر تحسين فعالية الإنفاق العام، حتى لا تظل زيادة المخصصات منفصلة عن النتائج الفعلية في المدارس والمراكز الصحية والمناطق الداخلية.
ويضع تقرير صندوق النقد موريتانيا أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي من جهة، وتحويله من جهة أخرى إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.
فنجاح السياسات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة لن يقاس فقط بمعدلات النمو أو مستوى الاحتياطيات والعجز، بل بقدرتها على تقليص الفقر، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوسيع فرص العمل، وضمان وصول ثمار النمو إلى الفئات والمناطق الأكثر هشاشة.



.jpeg)

.jpeg)