
"أحياناً، لا يحتاج الفساد إلى مؤامرات معقدة؛ يكفي أن يُلبسوه ثوباً رومانسياً، ويجلسوا على أرائكهم الوثيرة في الوطن، ليتقاضوا أجوراً فلكية نظير... لا شيء على الإطلاق."
في روايات العشق الممنوع، يُعذب الغياب المحبين. أما في رواية الدولة الموريتانية العبثية، فالغياب ليس سوى "وظيفة مربحة" جداً! تخيلوا قمة السخرية السوداء: سفارة كاملة، بسفيرها وجيش موظفيها، لا تسافر، لا تخاطر، لا تطأ قدم أحد من طاقمها أرض اليمن المحترقة، بل يعيش السفير وكل أفراد طاقمه بكامل رفاهيتهم هنا، في قلب موريتانيا، تحت المكيفات الباردة، ويقبضون الملايين على "غربة" لم يغادروا فيها بيوتهم قط!
جهاد الكنبة.. وبطولات الشاي بالنعناع
في الوقت الذي تتقاذف فيه الرياح العاتية دولة تُصنّف بين أتعس بقاع الأرض، وتعيش تحت وطأة الخراب والجوع، تقيم "سفارتنا" الموقرة معاركها الكبرى من داخل غرف الجلوس في نواكشوط.
سفيرنا الهمام يتقاضى راتباً يطير فوق سقف المليونين، ومعه حاشية من الموظفين والعاملين يزيد عددهم عن ثلاثين فرداً. ثلاثون إنساناً، ببطون جائعة للمكاسب وعقول متفرغة للفراغ، يرتدون أبهى البدلات وهم يتابعون أخبار اليمن عبر شاشات الهواتف كمن يشاهد مسلسلاً تركياً رديئاً. لا خوذات واقية، لا سفر في طائرات الرعب، لا رصاص يرتطم بالجدران.. هم جالسون هنا، في أمان تام، يمارسون "الجهاد الدبلوماسي" وهم يحتسون الشاي الموريتاني الساخن!
صفقات العدم: لا جالية.. لا تجارة.. لا مقر!
دعونا نسأل عقل الدولة، إن كان هناك عقل:
هل يوجد مواطن موريتاني واحد في اليمن يستنجد بهذه السفارة المقيمة في غرفة المعيشة بنواكشوط؟ لا، صفر مكعب.
هل هناك تبادل تجاري ضخم، أو مصانع وبواخر تتبادلها الدولتان لإنعاش خزينة الفقراء؟ لا شيء البتة.
هل للسفارة مقر حقيقي على الأرض اليمنية يبرر هذا الصخب الإداري؟ أبداً، مجرد حبر على ورق و"اعتقاد" في عالم الغيب.
فلماذا إذن نصرّ على تمثيل دولة لا نملك فيها حتى موطئ قدم، بسفير لا يغادر وطنه، وطاقم يتقاضى أجوره مقابل الجلوس على الأرائك؟
250 مليون أوقية.. فدية رومانسية لأوهام الدولة
وهنا تنفجر المأساة بمرارة توجع القلب: ندفع أكثر من 250 مليون أوقية كل سنة على هذه السفارة الوهمية التي لا وجود لها على أرض الواقع، والتي لا يغادر طاقمها حدود الوطن أصلاً!
ربع مليار أوقية وأكثر، تتبخر سنويا من جيوب شعب يتضور جوعاً، ومن مدارس بلا أسقف، ومستشفيات بلا دواء، لتذهب مباشرة كرواتب ومخصصات لجيش من "(...) الدبلوماسيين" الذين احترفوا فن قبض الملايين مقابل "النوم الفاخر".
في الأدب، تُبنى الروايات على الخيال الجميل. أما في واقعنا، فتُبنى الميزانيات على الأكاذيب الكبرى، ويُصنع من "الوهم" طاقم دبلوماسي كامل يقيم في بيته، ليأكل من عرق الجياع.. وصحتين على قلوب النائمين تحت المكيفات!
رملة سيد احمد



.jpeg)

.jpeg)