الركيز والاستيطان الجديد: حين يتغلب رأس المال على الملكية التاريخية

أعادت الأزمة المتفاقمة في مالي ترتيب منظومة الموارد ووسائل الإنتاج في المنطقة، وأعادت إلى الواجهة مصطلح «موريتانيا النافعة»، التي باتت تستقطب أعدادًا متزايدة من المنمين وأصحاب رؤوس الأموال والنفوذ، الباحثين عن بدائل للأراضي التي أصبحت أكثر صعوبة في المجال المالي.

وفي وقت قصير، تدفقت استثمارات جديدة نحو الزراعة والتنمية الحيوانية في اترارزة، وأصبحت أسعار المواشي في المنطقة تقترب من مستويات الأسعار في موطنها التقليدي بالحوضين. وقد كشفت مناقشات رسمية حول أسعار اللحوم عن تحول لافت في خريطة الثروة الحيوانية، بما يطرح أسئلة تتجاوز منطق السوق إلى مستقبل الأرض وموازين النفوذ حولها.

ما يجري في اركيز، في نظر كثيرين، ليس مجرد توسع زراعي، وإنماهو جزء من توجه أوسع لإعادة تشكيل الخريطة العقارية والاقتصادية للمنطقة. فحين تتحول الأراضي الزراعية إلى مجال مفتوح لرؤوس الأموال الكبرى، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام استثمار جديد أم أمام استيطان داخلي يعيد توزيع الأرض والسكان؟

إن مخاوف سكان الجنوب من فقدان الأرض ليست وليدة اليوم. فقد تعمقت بعد أحداث 1989، عندما أُجبر عدد كبير من السكان على مغادرة أراضيهم، وسط اتهامات متداولة بانتقال مساحات واسعة إلى نافذين ومستفيدين من موازين القوة التي سادت آنذاك. ومن رحم تلك التجربة برز مفهوم «العبودية العقارية»، لكنه ظل في الغالب أسير الخطاب السياسي، دون معالجة مؤسسية عميقة لجذور المشكلة.

اليوم، تتصاعد المخاوف من أن تتحول عناوين مثل «استصلاح الأراضي» و«الاستثمار» و«التنمية» إلى أدوات لإعادة توزيع الملكية لصالح أصحاب النفوذ ورؤوس الأموال الجديدة.

وهنا تبرز كلمة «الجدية» التي  استخدمها معالي وزير الزراعة في إطار سعيه المكشوف إلى استبعاد السكان الأصليين  والبحث عن  المستثمرين ووصفهم بالجادين  الذين يستحقون أن تمنح لهم اراضي زراعية في مقاطعة الركيز . لكن السؤال المطروح هو  من يحدد الجدية؟ هل هو رأس المال وحده، أم أن الارتباط التاريخي بالأرض ومعرفة خصوصياتها وحقوق سكانها ينبغي أن تكون جزءًا من المعادلة؟

فالخطر لا يكمن في الاستثمار بحد ذاته، وإنما في أن يصبح المستثمر، بحكم قدرته المالية، أكثر أهلية للأرض من الإنسان الذي عاش عليها وورثها عن أجداده.

تزداد حساسية المسألة مع ما يراه بعض أبناء المنطقة من تراجع حضور أطر اركيز في مواقع القرار، بالتزامن مع تنامي الاهتمام الاستثماري بأراضيها. فإذا اجتمع ضعف التمثيل المحلي مع قوة رأس المال، فقد تتحول التنمية إلى وسيلة لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي نفسه.

والحق أن سكان اركيز لا يحملون ذاكرة عابرة تجاه الأرض؛ فالمنطقة جزء من تاريخ طويل من الدفاع عن المجال والتراب، وفي هذا الإطار بالذات تستحضر الذاكرة المحلية مواجهات الأمير محمد لحبيب مع الفرنسيين في عهد فيدرب خلال خمسينيات القرن التاسع عشر.

المشكلة، إذن، ليست في مشروع زراعي جديد، بل في احتمال أن تتحول التنمية إلى اقتلاع صامت: إخلاء قرى، وتغيير أنماط الإنتاج، ودفع السكان تدريجيًا نحو المدن، تحت ضغط اقتصادي وإداري متزايد.

فالأرض بالنسبة إلى سكان اركيز ليست مجرد أصل عقاري فقط ؛ إنها ذاكرة وهُوية وامتداد تاريخي.

لهذا فإن أي إعادة رسم للخريطة العقارية للمنطقة ينبغي أن تتم بشفافية، وبمشاركة السكان، وبضمانات قانونية واضحة، حتى لا يتحول الاستثمار من وسيلة للتنمية إلى أداة لإعادة توزيع الأرض على حساب أهلها.

فحين يصبح رأس المال أقوى من الملكية التاريخية، لا تتغير ملكية الأرض فقط؛ بل قد يتغير وجه المجتمع كله. بما في ذلك انتماؤه لوطن تنكر لحقوقه التاريخية في أرض أجداده.

 

د.أمم ولد عبد الله 

أحد, 09/08/2026 - 10:55