الصفقات العمومية تتصدر اختلالات التسيير.. 1.4 مليار أوقية أثر مالي

كشف التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة للفترة 2024–2025 أن الصفقات العمومية تمثل أكبر بؤرة للمخاطر المالية في التسيير العمومي بموريتانيا، بعدما استحوذت الاختلالات المرتبطة بها على نحو 60% من إجمالي الأثر المالي للاختلالات التي رصدتها عمليات التفتيش.

وبحسب التقرير، بلغ الأثر المالي المنسوب إلى مجال الطلب العمومي 1.419.201.955 أوقية جديدة، من أصل 2.375 مليار أوقية هي إجمالي الأثر المالي المحدد أو القابل للتقدير للاختلالات المسجلة خلال الفترة المشمولة بالرقابة.

وتضع هذه الأرقام الصفقات العمومية بفارق كبير في مقدمة مجالات المخاطر، أمام تحصيل الإيرادات والديون الذي استحوذ على 13% من الأثر المالي، والالتزامات الضريبية بنسبة 8%، والحوكمة والرقابة الداخلية بنسبة 6%.

 

 

الخلل يبدأ قبل إبرام الصفقة

 

لا يحصر تقرير المفتشية الاختلالات في مرحلة تنفيذ المشاريع، بل يشير إلى أنها تمتد عبر مختلف مراحل الطلب العمومي، من التخطيط والتحضير إلى الإسناد والتنفيذ.

ومن بين الممارسات التي رصدتها مهام الرقابة: المنافسة الصورية، واللجوء غير المبرر إلى التراضي، وتجزئة النفقات، ودفع تسبيقات للموردين خلافًا للإجراءات التعاقدية، وضعف متابعة تنفيذ الأشغال، وعدم تطبيق الغرامات التعاقدية، فضلًا عن تنفيذ أشغال وخدمات بصورة جزئية أو مخالفة للمواصفات الفنية المتفق عليها.

ويكشف التقرير أن هذه الممارسات ليست حالات معزولة؛ إذ تظهر المؤشرات الخاصة بتكرار الاختلالات تسجيل 12 حالة منافسة صورية، و10 حالات تتعلق بالتراضي غير المبرر أو تجاوز حدود الاختصاص، و9 حالات لتجزئة النفقات. كما رصدت المفتشية حالات للتنازل غير القانوني عن صفقات عمومية وتضارب المصالح والتواطؤ عند استلام تجهيزات غير مطابقة للمواصفات التعاقدية.

 

636 مليون أوقية في أشغال ناقصة أو غير مطابقة

 

وتظهر قراءة تفصيلية للأثر المالي أن أكبر بند منفرد بين الاختلالات التي تمكنت المفتشية من تحديد قيمتها يتعلق بـأشغال وخدمات منفذة جزئيًا أو غير مطابقة للمواصفات الفنية التعاقدية، بأثر مالي بلغ نحو 636.09 مليون أوقية.

ويأتي بعد ذلك عدم اقتطاع أو تحصيل غرامات التأخير، بأكثر من 478.28 مليون أوقية، ثم التضخيم في الأسعار بنحو 170 مليون أوقية، وضعف تحصيل المبالغ المستحقة للدولة بنحو 165.43 مليون أوقية، وعدم اقتطاع أو دفع الضرائب بنحو 163.38 مليون أوقية.

ولا يعني ذلك أن هذه المبالغ جميعها تخص الصفقات العمومية حصريًا، إذ يعرض التقرير هذه البنود ضمن مجموع الاختلالات ذات الأثر المالي، لكنها تكشف في جانب مهم منها طبيعة المخاطر المتصلة بالعقود العمومية وتنفيذها ومراقبتها.

 

 

دفع مقابل أشغال لم تنفذ ومعدات لم تُسلّم

 

وتظهر خطورة اختلالات الصفقات بصورة أكثر وضوحًا عند الانتقال من الأرقام الإجمالية إلى الحالات التي سجلتها المفتشية في القطاعات المختلفة.

فقد رصدت مهام الرقابة دفع مبالغ مقابل أعمال منفذة جزئيًا أو غير منفذة، وأخرى مخالفة للمواصفات الفنية، ومدفوعات مزدوجة دون مقابل، ومبالغ دُفعت مقابل تجهيزات لم يتم تسليمها، إلى جانب عدم تحصيل غرامات التأخير ومنح مزايا غير مستحقة.

كما سجل التقرير عدم تسوية بعض تسبيقات انطلاق الأشغال وعدم تفعيل ضمانات حسن التنفيذ بعد إخلال المقاولين بالتزاماتهم أو تخليهم عن الأشغال.

 

 

شهادات مزورة وصفقات لشركات غير مؤهلة

 

وفي قطاع التعليم، على سبيل المثال، كشفت عمليات الرقابة عن اختلالات بدأت منذ إعداد ملفات المناقصات، من خلال مواصفات فنية غير دقيقة أو غير ملائمة، وامتدت إلى مرحلة الإسناد بتسجيل تجزئة للنفقات، ولجوء غير مبرر إلى التراضي، واستخدام وثائق مزورة، وإسناد أشغال إلى شركات غير مؤهلة.

أما خلال التنفيذ، فسجلت المفتشية توريد تجهيزات غير مطابقة للمعايير الفنية، وغياب الرقابة التقنية، وضعف متابعة تنفيذ الصفقات.

وتضمنت الاختلالات ذات الأثر المالي في هذا القطاع دفع أموال مقابل معدات لم تصل، وأشغال وخدمات لم تنفذ بالكامل أو لم تطابق المواصفات، وعقود خدمات بلا مقابل فعلي، إضافة إلى حالات تضخيم أسعار.

 

تضارب مصالح بين المقاول وجهة الرقابة

 

وفي قطاع الإسكان والعمران، رصدت المفتشية حالات أكثر حساسية، من بينها قيام المقاول نفسه بالتكفل بالتعاقد مع مكاتب الرقابة ومختبرات مراقبة الجودة، وهو ما اعتبره التقرير وضعية تنطوي على تضارب في المصالح.

كما كشفت المعاينات الميدانية عن أشغال منفذة جزئيًا، وأخرى غير مطابقة للمواصفات، وتدهور مبكر لبعض المنشآت، إضافة إلى إنجاز منشآت مرتفعة التكلفة بقيت غير مستغلة.

وسجل القطاع كذلك اللجوء إلى شهادات مزورة للحصول على امتيازات في الصفقات، والمنافسة الصورية، وتجزئة النفقات، والتنازل غير القانوني عن بعض العقود، وإبرام صفقات بالتراضي دون توفر الاعتمادات المطلوبة.

 

32.86 مليار أوقية تحت الرقابة

 

وجاءت هذه النتائج في سياق 28 مهمة رقابية مكتملة خلال عامي 2024 و2025، شملت مبالغ إجمالية قدرها نحو 32.862 مليار أوقية جديدة موزعة على قطاعات ومؤسسات عمومية متعددة.

وبذلك يمثل إجمالي الأثر المالي المحدد أو القابل للتقدير للاختلالات، والبالغ 2.375 مليار أوقية، نحو 7% من إجمالي الأموال التي شملتها عمليات التدقيق، بينما استحوذ مجال الصفقات العمومية وحده على 1.419 مليار أوقية من ذلك الأثر.

 

 

مشكلة منظومة لا مجرد مخالفات منفردة

 

وتكشف خلاصات التقرير أن الإشكال في الصفقات العمومية يتجاوز حالات دفع غير سليمة أو مخالفة تعاقدية محدودة، ليشمل سلسلة كاملة من نقاط الضعف تبدأ من تحديد الحاجة وإعداد ملف المناقصة، مرورًا بالمنافسة والإسناد، وصولًا إلى مراقبة التنفيذ واستلام الأشغال والتجهيزات.

كما أن تكرار أنماط بعينها، مثل المنافسة الصورية والتراضي غير المبرر وتجزئة النفقات وضعف الرقابة الفنية وعدم تحصيل غرامات التأخير، يعكس وفق معطيات التقرير طابعًا متكررًا للاختلالات في مختلف مراحل التسيير العمومي.

وبأثر مالي يتجاوز 1.4 مليار أوقية جديدة، يظهر ملف الصفقات العمومية في تقرير المفتشية باعتباره الحلقة الأكثر عرضة للمخاطر المالية، وهو ما يضع فعالية أجهزة إبرام الصفقات والرقابة على تنفيذها واستلام المشاريع أمام اختبار يتجاوز كشف الاختلالات إلى ضمان عدم تكرارها واسترداد الأموال المرتبطة بها

سبت, 15/08/2026 - 14:01