المأمورية الثالثة... حراك شعبي وسياسي حر ومسؤول

عرفت العديد من الدول الإفريقية والعربية خلال العقود الأخيرة تغييرات دستورية أعادت تعريف العلاقة بين تداول السلطة والاستقرار السياسي، وسمحت بصيغ أكثر مرونة فيما يتعلق بالمدد والفترات الرئاسية.

وقد أثبتت تجارب عديدة أن التعديلات الدستورية قد لا تكون مجرد خيار سياسي، بل قد تصبح، في لحظات معينة، ضرورة لإنقاذ الدولة من الانهيار، وضمان الاستقرار السياسي، والحيلولة دون انقطاع مشروع الإصلاح والتنمية.

ففي رواندا، جاءت التعديلات الدستورية في سياق إعادة بناء الدولة بعد حرب أهلية أنهكت مؤسساتها، وأدت إلى انهيار شبه كامل للاقتصاد وتمزق النسيج الاجتماعي، لتؤسس لمرحلة من الاستقرار والإعمار والمصالحة والتنمية.

وفي ساحل العاج، تم اعتماد دستور جديد بعد سنوات من الاضطرابات السياسية والانقسامات الداخلية، مما فتح المجال أمام مرحلة سياسية مختلفة شكلت مدخلاً لتعزيز الاستقرار واستكمال مسار النمو الاقتصادي.

وفي مصر، جاءت التعديلات الدستورية في إطار مواجهة تحديات أمنية واقتصادية معقدة، استدعت ضمان استمرار القيادة لتنفيذ برامج الإصلاح والمشاريع الكبرى في البنية التحتية.

كما شهدت دول إفريقية أخرى، من بينها الكونغو وعدد من بلدان القارة، مراجعات دستورية مشابهة ارتبطت باعتبارات الاستقرار واستكمال التحولات الاقتصادية والأمنية.

وموريتانيا اليوم أمام تحديات أمنية وإقليمية متزايدة، وفرص اقتصادية واعدة، ومشاريع استراتيجية تحتاج إلى استقرار القيادة السياسية. وفي هذا السياق، تبرز تجربة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بما راكمه من خبرة في إدارة الدولة، من قيادة أركان الجيوش إلى وزارة الدفاع ثم رئاسة الجمهورية، وما تحقق خلال فترة حكمه من هدوء سياسي وأمني، وبرامج اجتماعية وتنموية، وإصلاحات ومشاريع استراتيجية.

ومن هنا، فإن بقاء الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في قيادة البلاد عبر مأمورية ثالثة يمثل خيارا لا غنى عنه لحفظ الأمن والاستقرار والمصلحة الوطنية، وضرورة لاستكمال الإصلاح وتعزيز المكتسبات.

لكن هذا الخيار ينبغي أن يتحول إلى إرادة شعبية وسياسية واضحة، تتجسد في حراك حر ومسؤول، سلمي ودستوري، ويبلور آليات تنزيل هذه الإرادة عبر الأطر القانونية.

فإذا اقتضى الأمر تعديلا دستوريا، يتم ذلك وفق الآليات الدستورية، ويحتكم فيه إلى الشعب باعتباره مصدر السلطات. وعندها، لن يكون بإمكان أي كان أن يعترض على خيارات الشعب، ما دامت قد عبرت عنها إرادته الحرة، وتمت ترجمتها عبر المسار الدستوري والقانوني. وهو ما يضمن استكمال مسار الإصلاح والتنمية، وصون المصالح العليا لموريتانيا.

ثلاثاء, 18/08/2026 - 20:18