
يكتسب نشر التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة 2024–2025 أهمية تتجاوز مضمونه؛ فهو أول تقرير سنوي يُنشر للعمومفي إطار الالتزام الجديد الذي أقره المرسوم رقم 2025-001، وبذلك يضع عمل جهاز التفتيش نفسه أمام النقاش والمساءلة العامة.
لكن نشر التقرير يطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا لا تتضمن النسخة المنشورة أسماء المسؤولين والمؤسسات المعنية، رغم أن هذه الجهات محددة ومعروفة في ملفات التفتيش؟
رغبة الجمهور في معرفة الأسماء مفهومة. فعندما يتحدث تقرير رقابي عن اختلالات مالية بمليارات الأوقية، فمن الطبيعي أن يسأل المواطن: أين وقعت؟ ومن هو المسؤول عنها؟ وماذا آلت إليه الإجراءات؟
لكن هنا يجب التمييز بين الشفافية والإدانة. فالمفتشية تميز بين أخطاء التسيير، والاختلالات الإدارية والتنظيمية، والوقائع التي قد تكون لها صبغة جنائية، كما تعتمد مبدأ التناقض، بعرض الملاحظات على الجهات المعنية وتمكينها من الرد قبل اعتماد النتائج. وبالتالي، فإن ورود اسم شخص في تقرير تفتيش لا يعني تلقائيًا ثبوت فساد أو جريمة في حقه.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ضوء التجربة الأخيرة المرتبطة بتقرير محكمة الحسابات. فقد شملت القائمة المتداولة 30 شخصًا، واتُّخذت إجراءات بحق عدد من المسؤولين بناءً على ما ورد في الملف، قبل أن تقرر النيابة العامة في ديسمبر 2025 حفظ الدعوى في حق 24 شخصًا لعدم كفاية الأدلة، ومتابعة ستة آخرين، لينتهي مسار التحقيق في يونيو 2026 إلى إصدار أمر بعدم المتابعة في حق جميع المشمولين لعدم توفر العناصر الجزائية اللازمة.
لا يعني ذلك أن الملاحظات الرقابية كانت بلا أساس، وإنما يوضح بجلاء أن رصد اختلال أو مخالفة لا يساوي ثبوت جريمة في حق شخص بعينه. وهنا تكمن وجاهة التحفظ في نشر الأسماء قبل اكتمال مسار التثبت والمسؤولية القانونية؛ فالاسم الذي يُنشر في سياق اتهامي قد يترك أثرًا على السمعة لا يستطيع قرار لاحق بالبراءة أو عدم المتابعة محوه بسهولة.
لكن هذا لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لحجب المعلومات عن الرأي العام. فالمجتمع له حق مشروع في معرفة المؤسسات والبرامج التي سجلت فيها الاختلالات، وطبيعتها، وحجمها، والأثر المالي المترتب عليها، والإجراءات التي اتخذت بشأنها. أما الأسماء الشخصية، فينبغي أن يرتبط نشرها بدرجة التثبت وطبيعة المسؤولية المثبتة والمسار القانوني.
وهنا تظهر أهمية المنهج الذي أعلنته المفتشية. فهي لا تقدم ملاحظاتها باعتبارها أحكامًا قضائية نهائية، بل تعتمد مسارًا يبدأ بجمع الوثائق والتحقق والمقابلات، ثم عرض الملاحظات على الجهات المعنية، وتحليل ردودها، قبل اعتماد التقرير النهائي وتصنيف الاختلالات واتخاذ الإجراء المناسب أو الإحالة عند الاقتضاء.
وهذا يضعنا أمام معيار أكثر أهمية من مجرد نشر الأسماء: هل التقرير يحدد الخلل بدقة؟ وهل يبين الأدلة التي استند إليها؟ وما الإجراء الذي اتخذ؟ وهل تمت متابعة تنفيذ التوصيات؟
وفي هذا الجانب، تكشف أرقام التقرير أن 60% من الأثر المالي للاختلالات تركز في مجال الصفقات العمومية، فيما توزعت النسبة المتبقية أساسًا بين تحصيل الإيرادات والديون، والالتزامات الضريبية، والحوكمة والرقابة الداخلية. وهو ما يشير إلى أن جزءًا مهمًا من المشكلة يتعلق بضعف الأنظمة والإجراءات، وليس فقط بأشخاص بعينهم.
لذلك فإن نشر التقرير لأول مرة خطوة مهمة، لكنها ينبغي أن تكون بداية لمسار متصاعد من الشفافية، لا نهايته. فمن حق المواطن أن يعرف أين وقع الخلل، وما حجمه، وكيف تم التثبت منه، وما الذي اتُّخذ بشأنه، ومن يتحمل المسؤولية عندما تصبح ثابتة.
فالشفافية ليست نشر الأسماء لمجرد إرضاء الرأي العام، كما أنها ليست حجبها إلى أجل غير مسمى.
الشفافية الحقيقية هي أن يعرف المجتمع الحقيقة كاملة بالقدر الذي تسمح به درجة التثبت والقانون.



.jpeg)

.jpeg)