
أمس الجمعة احترقت محطة الكهرباء التي تزود مقاطعات توجنين ودار النعيم وتيارت، وبدل إصلاحها، احترقت اليوم السبت محطة أخرى تزود مقاطعات لكصر وتفرغ زينة والسبخة.
وفي أقل من أربع وعشرين ساعة، وجدت ست مقاطعات من أصل تسع في نواكشوط نفسها في الظلام، وهي مقاطعات تضم أهم المؤسسات السيادية والأمنية والخدمية والاقتصادية في العاصمة.
ست مقاطعات دفعة واحدة!
في عز الصيف، حيث تتحول البيوت إلى أفران، والثلاجات إلى مجرد خزائن، والأدوية إلى رهينة للحرارة، والأطفال إلى أسرى للعرق والأرق، ويصبح المواطن مضطرا إلى البحث عن شحنة هاتف أو مروحة تعمل أو قطرة ماء بارد.
كل ذلك يحدث في الوقت الذي يجد فيه بعض المسؤولين، ومنهم وزراء وعلى رأسهم الوزير الأول، الوقت والطاقة والمال لجوب الولايات الداخلية، والتمتع بأجواء الخريف، وإقامة المهرجانات، والهتاف للمأمورية الثالثة، والمطالبة باستمرار النهج.
وهنا، بالضبط، يحق للمواطن الموريتاني أن يسألهم، وبصوت مرتفع:
أي نهج تريدون أن يستمر؟!
هل تريدون استمرار الكهرباء أم استمرار انقطاعها؟
استمرار الخدمات أم استمرار الأعطال؟
استمرار الأمن أم استمرار الخوف؟
استمرار حماية المواطن أم استمرار معاناته؟
وإذا كان هذا هو النهج الذي تريدون استمراره، فليخبرنا أحدكم: ماذا بقي للمواطن حتى يخشى عليه من التغيير؟
الرئيس في المهرجان... والمواطن في الظلام
المشكلة ليست في أن يطالب بعض الناس بمأمورية ثالثة، وإنما في أن يحدث ذلك بينما يعيش المواطن واحدة من أبسط صور العجز: دولة لا تستطيع أن توفر له الكهرباء في عاصمتها.
المشكلة أن يخرج المسؤولون إلى الناس ليحدثوهم عن إنجازات المستقبل، بينما المواطن لا يريد منهم الآن سوى أن يعيدوا إليه الكهرباء.
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ليس مواطنا عاديا يمكنه أن يقف متفرجا على هذا المشهد.
هو رئيس الجمهورية، والسلطة التنفيذية تعمل باسمه، والحكومة مسؤولة أمامه، ومؤسسات الدولة التي يفترض أن تحمي المواطن وتوفر له الخدمات تقع ضمن مسؤوليته الدستورية.
ولذلك فإن الذين يحيطون به بالتصفيق، ويطالبونه بمأمورية ثالثة، بينما المواطن ينام في الظلام، لا يقدمون له خدمة.
إنهم، من حيث لا يريدون، يضرونه أكثر مما ينفعونه؛ لأن أسوأ ما يمكن أن يفعله المخلص لرئيس هو أن يمنعه من رؤية الحقيقة.
هل يريدون استمرار هذا أيضا؟
ولأن الكهرباء ليست المشكلة الوحيدة، فهناك سؤال آخر أكثر إيلاما:
ماذا عن الأمن؟
لا يكاد يمر يوم إلا ونستيقظ على أخبار تعلن فيها الشرطة أو الدرك تفكيك خلية جديدة لبيع وترويج المخدرات، أو ضبط كميات منها.
نقرأ الخبر، نفرح بالضبط، ثم نسأل أنفسنا:
إذا كانت الخلايا تتكاثر إلى هذا الحد، وإذا كانت المخدرات تجد طريقها إلى شبابنا ومجتمعنا بهذا الاتساع، فهل نحن أمام نجاح أمني فقط، أم أمام ظاهرة تستحق أن تُقرع لها أجراس الخطر؟
المواطن لا يريد أن تكون الدولة بارعة فقط في إعلان ضبط المخدرات؛ يريد أن يعرف كيف دخلت، ومن يحمي شبكاتها، ومن يمولها، وإلى أين وصلت، وماذا تفعل الدولة لمنع انتشارها.
يريد أن يشعر بالأمان في الشارع، وأن يطمئن على أبنائه، لا أن يعيش على بيانات متتالية عن تفكيك الخلايا ومصادرة الكميات.
موريتانيا التي لا تظهر في المهرجانات
هناك موريتانيا أخرى لا تصل إليها مكبرات الصوت في المهرجانات.
موريتانيا الأم التي تضع دواء طفلها في الثلاجة ولا تعرف كيف تحافظ عليه.
وموريتانيا الأب الذي يرى طعام أسرته يفسد أمام عينيه.
وموريتانيا المريض الذي يقضي الليل يتصبب عرقًا.
وموريتانيا التاجر الذي تتعطل أجهزته وتفسد بضاعته.
وموريتانيا العامل الذي تتوقف مصالحه.
وموريتانيا الشاب الذي يخشى أن تلتهم المخدرات مستقبله.
هذه هي موريتانيا التي ينبغي أن يسمع الرئيس صوتها.
أما أصحاب المهرجانات والهتافات، فيبدو أنهم يريدون أن يسمعوه صوتا واحدا فقط:
«مأمورية ثالثة... مأمورية ثالثة!»
لكن المواطن يريد أن يقول شيئا آخر:
«أعيدوا لنا الكهرباء!»
لا تطلبوا من المواطن أن يصفق للظلام
ليس من المعقول أن تطلبوا من مواطن يعيش في الحر والظلام أن يحتفل باستمرار النهج.
وليس من العدل أن تقولوا له إن كل شيء على ما يرام، بينما ثلاجته متوقفة، ودواؤه مهدد بالتلف، وأطفاله لا يستطيعون النوم.
وليس من الحكمة أن تطلبوا من رئيس الجمهورية أن يصدق المديح، بينما الواقع يصرخ في وجهه كل يوم.
إذا كانوا يحبون الرئيس فعلا، فليقولوا له الحقيقة:
قولوا له إن الكهرباء تحترق.
قولوا له إن المواطن يتألم.
قولوا له إن المخدرات تنتشر.
قولوا له إن الأمن يحتاج إلى مزيد من اليقظة.
قولوا له إن مؤسسات الدولة تحتاج إلى صيانة ومساءلة وإصلاح.
ثم قولوا له، بعد ذلك، إنكم تريدون له مأمورية ثالثة.
أما أن تطلبوا استمرار الحكم قبل أن تجيبوا المواطن عن حصيلة الحكم، فذلك ليس دفاعا عن الرئيس، بل هروب من السؤال.
الرئيس لا يحتاج إلى مزيد من التصفيق
الرئيس الذي يريد أن يخدمه أنصاره لا يحتاج إلى مزيد من التصفيق، وإنما يحتاج إلى من يقول له الحقيقة.
يقول له عندما تخطئ الدولة: لقد أخطأت.
وعندما تتعطل الكهرباء: هناك خلل.
وعندما تنتشر المخدرات: هناك خطر.
وعندما يتألم المواطن: هناك مواطنون يجب إنقاذهم.
أما أن تتحول السياسة إلى مهرجانات للتصفيق، ويصبح الحديث عن المستقبل أهم من معالجة حاضر الناس، فهذه ليست خدمة للوطن ولا للرئيس.
الرئيس مسؤول عن حصيلة حكمه، وأنصاره مسؤولون عن صدق النصيحة له.
والمواطن لا يحكم على النهج بالشعارات، وإنما بما يراه في حياته اليومية.
إذا وجد الكهرباء والأمن والصحة والتعليم وفرص العمل وحماية ماله وكرامته، فسيرى الإنجاز دون أن يحتاج إلى مهرجان.
أما إذا وجد الظلام والحر والمخدرات والخوف وتعطل الخدمات، فلن تقنعه ألف منصة وألف مكبر صوت.
ماذا تريدون أن يستمر؟
هذه هي الخلاصة التي ينبغي أن يسمعها دعاة المأمورية الثالثة:
لا تسألوا المواطن: هل تريد استمرار النهج؟
اسألوه أولًا: ماذا تريدون أن يستمر؟
هل تريدون استمرار الظلام والأعطال والمعاناة والمخدرات والخوف وضعف الخدمات؟
إذا كان الجواب نعم، فاستمروا في مهرجاناتكم.
أما نحن فنريد شيئا أبسط من كل هذه الشعارات:
نريد دولة تعمل، وكهرباء مستقرة، وأمنا يحمي الناس، ومسؤولين يقولون للرئيس الحقيقة بدل أن يغرقوه في التصفيق.
فليستمر الوطن أولا، أما استمرار الأشخاص والنهج والشعارات، فذلك لا يستحق الحديث عنه قبل أن يثبت للمواطن أنه يستحق الاستمرار.
أما المواطن الذي يقضي ليله في الظلام والحر، فلا تطلبوا منه أن يهتف للمأمورية الثالثة.
أعيدوا إليه الكهرباء أولا... ثم تحدثوا معه عن المستقبل.
ألا قد بلغت، اللهم فاشهد.



.jpeg)

.jpeg)