
في زيارته التفقدية لموقع الحريق، بدا رئيس الجمهورية متأثرًا على نحو لافت. كانت لغة جسده أبلغ من أقواله، وكأن المشهد جمع أمامه، دفعة واحدة، حصيلة سبع سنوات من الرسائل التي ظلت حبيسة الأدراج.
خلال هذه السنوات، حاول الرئيس، بمزيج من الصرامة والتسامح، إقناع أغلبيته بأن موارد الدولة ليست غنيمة، وأن المال العام أمانة، وأن التنمية لا تقوم إلا على مؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، ورقابة فعالة.
بدا مقتنعًا منذ فترة بأن الظروف أصبحت مواتية لإطلاق مسار تنموي حقيقي، يضع الأمن والتعليم والصحة والطاقة في صدارة الأولويات.
لكن جزءًا من الأغلبية السياسية كان أكثر انشغالًا بإدارة الصورة من إدارة الواقع. فتم استبدال النقد بالمديح، والمساءلة بالتبرير، والإنجازات القابلة للقياس بحملات دعائية متواصلة.
بيد أن نقد تعثر مشاريع حيوية، من الطرق والمستشفيات إلى الماء والكهرباء، قوبل بخطاب جاهز يصف المشككين بالحسد، وكأن نقد الأداء جريمة سياسية.
والحق أن التنمية لا تُقاس بعدد التدشينات، ولا بحجم الاحتفاء الإعلامي، وإنما بقدرة المشاريع على الاستمرار وخدمة المواطنين بعد انطفاء أضواء منصات التدشين.
بلغت الدعاية «المضللة» ذروتها مع الذكرى السابعة لتولي الرئيس منصبه، وانتقلت من تعداد الإنجازات إلى الترويج لمأمورية ثالثة، بينما كانت الأسئلة الأكثر إلحاحًا غائبة: لماذا تتعثر المشاريع؟ وأين ذهبت موارد تمويلها؟ ومن يراقب الصفقات؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاقات؟
فجأة، ومن دون سابق إنذار، انقطعت الكهرباء عن نواكشوط، وفي لحظة واحدة سقطت طبقات الخطاب الدعائي، وظهر الواقع عاريًا. والأكثر دلالة أن الرئيس نفسه طرح السؤال الذي كان ينبغي أن تطرحه مؤسسات الدولة منذ سنوات: من أين جاء الخلل؟ ومن المسؤول؟
ليست المفارقة الصادمة في الاحتراق المتزامن لمحطتين تزودان نواكشوط بالكهرباء، رغم الخسائر الهائلة المترتبة على ذلك، وإنما في ما كشفته هذه الحادثة من هشاشة مميتة في التخطيط والرقابة والتنفيذ والمساءلة.
يقول الخبراء إن الأعطال الفنية يمكن إصلاحها، أما العطل المؤسسي فلا تعالجه البيانات ولا حملات التبرير.
كان ينبغي، في نظر مراقبين، أن تُطرح هذه الأسئلة داخل الشركة الوطنية للكهرباء، ووزارة الطاقة، وأجهزة الرقابة، ولجان الصفقات، قبل أن تصل الأزمة إلى الشارع.
مكمن الخطر، بطعم الخذلان، يكمن في أن الرئيس غزواني، الذي جاء بمشروع بناء دولة حديثة على طريقة النمور الآسيوية، وجد نفسه، بعد سبع سنوات، أمام أولوية تبدو شديدة البساطة، لكنها بالغة الدلالة: إعادة الكهرباء إلى مساكن المواطنين.
هنا تكمن المفارقة والمأساة معًا. فقد نجح التملق في توسيع الفجوة بين صورة الدولة التي سوّقت لها الأغلبية وحقيقتها على الأرض، حيث حوّل بعض المحيطين بصناعة القرار الإنجاز إلى خطاب، والمساءلة إلى خصومة، والنقد إلى مؤامرة.
اليوم، لا تحتاج موريتانيا إلى مزيد من المديح لصاحب الفخامة، بل إلى جرأة تتجاوز سقف المجاملة السياسية، المترسخة في أدبيات الأغلبية، لطرح أسئلة المرحلة التي تتطلب تحديد المسؤوليات لضمان مساءلة عادلة، من قبيل:
من قرر؟ من نفذ؟ من راقب؟ من قصّر؟ ومن استفاد؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي طرحها الآن، ليس بحثًا عن كبش فداء، وإنما حمايةً للدولة ومستقبلها.
الأكيد أن الكهرباء ستعود، ولو بعد حين، لكن التحدي الحقيقي يكمن في عودة المؤسسات إلى العمل وفق الرؤية التي خطط لها الرئيس، والمساءلة إلى مكانها، والإنجاز إلى معناه الحقيقي: فالدولة تُقاس بما تحقق من مشاريع على الأرض، لا بالتسويق لوهم يتحول في كل فترة إلى كارثة تعيدنا إلى العصر الحجري.
د. أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)