«القوة القاهرة».. حين تعفي «صوملك» نفسها ولا تعفي المواطن

تجلسُ أنثى في العتمة، تلفّها فلسفة اللاشيء، وتتساءل في لحظة شجن مباغت: هل للغياب طاقة؟ في بلدٍ يُقاس فيه الوفاء بعدد الكيلوواط الساقطة من ذاكرة أسلاككِ، يطلع علينا السيد المدير العام لـ"صوملك" ببيانٍ أشبه بقصيدة رداءة، يرتدي فيها ثوب الضحية الباكية، ويتحصن خلف درع ساحر يُدعى «القوة القاهرة»!
آه كم أنتِ شاعرية يا صوملك! حين تحترق محولاتكِ الصدئة، وتغرق العاصمة في ظلامٍ دامس، تهربين إلى أحضان القانون، معلنةً بكل كبرياء أنكِ غير ملزمة بتعويضنا عن أجهزتنا المحترقة، ولا عن عتمتنا السرمدية، لأن الموارد المالية شحيحة، ولأن الأقدار كُتبت عليكِ. تُعلمينا كيف نعشق الظلام دون مقابل، وكيف نتقبل الخسارات بصبر أنثى اعتادت غدر العشاق وصمت الهاتف في منتصف الليل!

 

ولكن.. دعيني أكتب لكِ بمداد العتمة، وأنا أقف اليوم كامرأةٍ خائبة أمام بوابتكِ العتيدة، أحمل في حقيبتي ورقة صغيرة وردية اللون تُدعى "فاتورة الكهرباء"، يطالبني بها جُباتكِ بكل صرامة وجفاء. لقد ألمّت بي أنا الأخرى «قوة قاهرة» لا تقلّ جلالاً عن قوتكِ! لقد فقدتُ عملي يا سيدتي، وجفّت منابع رفاهيتي، ولم يعد في بيتي ما يُضاء سوى شموع الحزن. فهل تفهمين لغة "القاهرة" حين تنطق بها شفاه امرأةٍ عاطلة عن الأمل؟
أيتها الشركة المبجلة، لو وقفتُ أمامكِ اليوم متمسكةً بنص بيانكِ الرفيع، ملوحةً بفقري المستجد، ومعلنةً أن مواردي المالية لا تتوفر حالياً لإطفاء ديونكِ، فهل ستتغمّدين خطيئتي بدثار العفو؟ هل ستلغين الفاتورة برومانسية المغلوب على أمره، وتقولين لي بكل حنان أنثوي: «اذهبي يا عزيزتي، فأنتِ في رحاب القوة القاهرة»؟ أم أن "القوة القاهرة" في منطقكِ الذكوري المعقّد هي امتيازٌ حصري للكبار، يُغفر بها ذنب المؤسسة، بينما يُحرم منها المواطن وتُسلط على رقبة عتمته؟

إنها المأساة المضحكة؛ حين تصبح القوة القاهرة مظلة يختبئ تحتها القوي ليحمي عجز ميزانيته، بينما تظل المرأة الفقيرة القوةَ الوحيدة التي يُمارس عليها القهر بلا رحمة! لو أن بيننا شيئاً من النبل، لتبادلنا الاعتذارات العاطفية؛ أنا أعفيكِ من تعويض ثلاجتي المحترقة وكحل عيني الذي ذاب في الحر والعتمة، وأنتِ تعفينني من سداد فاتورة طاقة لم أرَ منها سوى شبح السواد. لكنني أعلم، بمرارة امرأةٍ تدرك لعبة السلطة، أنكِ ستقتطعين التيار عن بيتي فوراً، غير أبهةٍ بقاهرتي، لتبقى "القوة القاهرة" مجرد كلمة سر يلجأ إليها المسؤول حين يفلس، وتتحول إلى مشنقة يُلف بها عنق المواطن حين يجوع!

 

رملة سيد احمد

ثلاثاء, 25/08/2026 - 14:34