
في الأول من سبتمبر 1969، تحركت مجموعة من الضباط الشباب بقيادة الراحل معمر القذافي، تمكنت من الإطاحة بالنظام الملكي إدريس السنوسي واعلان قيام الجمهورية العربية الليبية. ومنذ ذلك التاريخ أصبح الفاتح من سبتمبر عنوانا لمرحلة سياسية امتدت لأكثر من أربعة عقود وانقسم حولها الليبيون والعرب بين من يصفها بالثورة ومن يراها انقلابا عسكريا.
جاءت الحركة في سياق عربي وإقليمي طغت عليه أفكار القومية العربية والتحرر من النفوذ الأجنبي متأثرة بتجربة جمال عبد الناصر. لكن سرعان ما تحولت ليبيا إلى نموذج سياسي خاص خصوصاً بعد إعلان الجماهيرية وطرح القذافي ما عرف بالنظرية العالمية الثالثة.
شهدت ليبيا خلال هذه المرحلة توسعا كبيرا في الإنفاق على التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية مستفيدة من عائدات النفط، كما تبنت سياسة خارجية مستقلة وبرز حضورها في أفريقيا. غير أن هذه الإنجازات رافقها نظام سياسي شديد المركزية وغياب التعددية، وتقييد الحريات، إضافة إلى انتهاكات سياسية وحقوقية أثارت انتقادات واسعة.
ومع سقوط نظام القذافي عام 2011 انتهت السلطة التي قامت على إرث سبتمبر، لكن الذكرى لم تنته، فما زال الليبيون منقسمون في تقييمها. فأنصار النظام السابق يستحضرونها باعتبارها مرحلة سيادة وبناء وتنمية، بينما يرى خصومها أنها أسست لحكم فردي طويل أضعف المؤسسات السياسية.
لكن بعد 57 عاماً، تتجاوز أهمية فاتح سبتمبر مسألة الاحتفال او الإدانة لتطرح أسئلة أعمق حول علاقة الجيش بالدولة والثروة النفطية بالسلطة، وغياب المؤسسات والتعددية، وكيف يمكن لنظام أن يستمر عقودا طويلة.
لذلك فإن القراءة الموضوعية لفاتح سبتمبر لا تقتضي تمجيده ولا شيطنته بل فهمه في سياقه التاريخي، والتمييز بين ما تحقق من إنجازات وما رافقه من إخفاقات وانتهاكات.
فالأنظمة قد تسقط لكن آثارها تبقى في ذاكرة الشعوب، وتظل مسؤولية الأجيال أن تقرأ التاريخ بعين النقد لا بعين الشعارات.
د. سيدي ولد السالم



.jpeg)

.jpeg)