
لطالما منذ عقود طويلة، شكّل الاتهام بـ"معاداة السامية واحدًا من أكثر الأسلحة التي تمتلكها اسرائيل فتكاً لفرض سرديتها على العالم وخصوصاً في الولايات المتحدة والغرب عموماً.
وفي هذا السياق, لم يكن تصريح عميحاي شيكلي، وزير شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية في الحكومة الإسرائيلية، نشرته صحيفة "اسرائيل اليوم" مجرد زلة لسان، بل بدا أقرب إلى اعتراف رسمي بتراجع فاعلية أحد أمضى الأسلحة السياسية التي استُخدمت، على مدى نحو ثمانية عقود، لإخضاع المجتمعات الغربية للرواية الإسرائيلية, كما شكّل كشفًا صريحًا عن جهود اسرائيلية على مستوى الوزراء للبحث عن وسائل وأدوات جديدة لبث الخوف في المجتمعات الغربية، بهدف استمرار إخضاعها وتسخيرها لخدمة مصالح إسرائيل بعد ان بدأت تلك المجتمعات تتحرر بعض الشيء من قبضة اسرائيل وسلاحها الاشد فتكاً "تهمة معاداة السامية" نتيجة لحجم الاجرام والوحشية والابادة الجماعية الغير مسبوق التي ارتكبتها اسرائيل وما زالت في قطاع غزة في الاعوام الثلاثة الاخيرة, والتي ادت الى مقتل اكثر من 25 الف طفل و20 الف امراة وتدمير 90% من قطاع غزة واحتجاز ما بقي حياً من اهل القطاع البالغ عددهم حوالي 2.3 مليون نسمة في شريط ضيق وفي خيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء وسط ظروف معيشية غاية في الصعوبة كاتشار الحشرات والزواحف والاوبئة ونقص كافة مستلزمات الحياة الانسانية من ماء وغذاء ودواء وفوق كل ذلك اخضاعهم لعمليات قتل يومي ممنهج تذهب بحياة حوالي 10 الى 20 منهم يومياً.
نعم, صور الدمار الهائل، وأعداد الضحايا المدنيين المخيف، والأطفال والنساء تحت الأنقاض، والمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس والطرق وشبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء والاتصالات والمخيمات المدمرة، والاتهامات الدولية الخطيرة الموجهة إلى إسرائيل من قبل اهم واكبر الهيئات الدولية ذات الصلة بارتكاب جرائم حرب وابادة جماعية، جعلت من المستحيل تجاوز كل هذه الكوارث الذي ارتكبتها اسرائيل بحق أهالي قطاع غزة وهذا الزخم العالمي الرافض لها والمتمثل بملايين البشر الذين خرجوا إلى شوارع وميادين وجامعات كبرى المدن العالمية مثل نيويورك, واشنطن, لندن, باريس, مدريد, روما وسيدني, اثينا, لشبونة, انقرة, اسطنبول, اسلام باد, كراتشي, كولالمبور, جاكرتا, دكا, بكين, موسكو واوتاوا وغيرها وغيرها لرفض والتنديد والاستنكار والضغط على حكوماتهم لاتخاذ اجراءات عملية لايقاف هذه الكوارث.......جعلت من المستحيل اختزال كل هذه الكوارث وكل هذا الزخم الدولي الغير مسبوق في تهمة معلبة اسمها "معاداة السامية", المصاب جلل, و أكبر بكثير من قدرة هذا المصطلح على مواجهته.
جاء تصريح شيكلي المشار اليه اثناء المقابلة التي أجرتها معه الصحفية شيريت أفيتان كوهين ضمن بودكاست صحيفة اسرائيل اليوم (لعبة الكراسي) ونشرته الاربعاء 19 أغسطس الجاري وقال فيه: "لم يعد الامريكي العادي ولا الاوروبي يهتم بمعاداة السامية, ما يهمهم كثيراً هو الإسلام الراديكالي والاخوان المسلمين, علينا أن نستفيد من ذلك".
الملفت في تصريح شيكلي عبارة "علينا أن نستفيد من ذلك", فالمسألة، وفق هذا المنطق، لا تبدو مجرد تحذير أمني من تنظيم أو تيار سياسي بعينه، وإنما تلميح (ان لم يكن تصريح) الى وجوب بلورة استراتيجية حكومية رسمية لاعتماد ادوات وسياسات جديدة تستطيع إسرائيل من خلالها إعادة سطوتها على المجتمعات الامريكية والاوروبية والتي تعرضت لضربة موجعة بسبب حجم الدمار المرعب والمجازر المفزعة الغير مسبوقة وجرائم الابادة الجماعية التي ارتكبتها اسرائيل في حربها الاخيرة على قطاع غزة كما سبقت الاشارة, وهنا تكمن خطورة التصريح.....فكيف ستسفيد اسرائيل من هذا الامر ؟؟؟, هل ستقوم بشطينة الاسلام وتحريض الامريكيين غير المسلمين على ابناء جلدتهم من المسلمين داخل الولايات المتحدة واحداث فتنة بين اطياف المجتمع الامريكي..؟؟ واعلب الظن ان هذا ما يقصده الوزير الاسرائيلي, ولكن السؤال الذي يقفز للذهن, هل يضمن معالي الوزير ان تقف نار الفتنة اذا ما نجح في اشعالها لا سمح الله (وعلى الارجح انه لن ينجح) ان تقتصر لتطول المسلمين فقط....؟؟؟,
هذا سؤال في منتهى الخطورة, اعتقد جازماً ان المسلمين ليس هدفاً لاغلب الامريكيين, فهم لايسيطرون على اغلب واهم مفاصل الدولة ومرافقها الحيوية ولا يملكون اغلب البنوك الامريكية وحوالي 80 الى 90% مدينين لتلك البنوك او لاصحاب تلك البنوك ويعملون ليل نهار وبالكاد يستطيعون دفع فوائد ديونهم لهم اي ان الغالبية العظمى من الشعب الامريكي يعملون كعبيد لأصحاب البنوك هؤلاء, وليس المسلمون الذين يهمينون على قطاع التكنولوجيا العالية الحيوي الذي يحكم قطاعات واسعة من الاقتصاد الامريكي, وليس هم المسلمين الذين يمتلكون حوالي 80% من حجم الثروة الخاصة بالشعب الامريكي, وليس المسلمون هم الذين يسيطرون على صانع القرار الامريكي في الكونجرس والبيت الابيض وصولاً الى المحكمة العليا وغيرها من وزارات الدولة واداراتها المختلفة, وليس المسلمون من يبتزون الساسة وصناع القرار ليدفعوا لهم المليارات من الدولارات وكذلك ايضاً جرهم جراً الى خوض حروب نيابة عنهم في اماكن تبعد الاف الاميال عن الاراضي الامريكية وتستنزف مقدرات الشعب الامريكي وتجبره على دفع تكلفة تلك الحروب المقدرة بمئات مليارات الدولارات من اموال الضرائب التي يدفعها وعلى حساب رفاهيته.....!!!!!!
من باب الانسانية (التي لا أظن ان الوزير يعرفها او حتى سمع عنها هو وزملائه في عصابة نتنياهو) سأنصح الوزير بألا يعزف على هذا الوتر, فالكورس الذي يعتمد عليه تحت الضغط حالياً ولأظنه يستطيع ضبط الالحان كما جرت العادة منذ عدة عقود, وأغلب الظن انه قد يسمع انغاماً لا تعجبه.
نعم, اقرأ في كلمات شيكلي انه سيلعب على وتر إعادة تسويق إسرائيل لدى اليمين الغربي باعتبارها خط دفاعهم المتقدم في مواجهة الإسلام؟
لكن هل سينجح ذلك...؟ وهل سيصنف الأمريكي الذي يعارض الابادة الجماعية وجرائم الحرب التي ترتكبها اسرائيل في قطاع غزة كتابع للإسلام الراديكالي..؟ وهل يصبح السياسي الامريكي وخصوصاً (اذا كان مسلماً) الذي ينتقد نتنياهو محسوباً على الإخوان المسلمين؟ وهل تتحول كل حركة حقوقية أو طلابية مناهضة للمجازر والجرائم الاسرئايلية بحق الاطفال والنساء في فلسطين (وخصوصاً اذا كانت تضم مسلمين) إلى بعبع اسلامي أمني ينبغي الخوف منه وملاحقته؟
لم يخف الوزير هدفه, إخافة المجتمع الأمريكي من المسلمين، ولكنه تغاضى عن حقيقة لن تساعده في تحقيق مخططه الشيطاني, المقاربة الديموغرافية, والتي من شأنها ان تفقد مخططاته جديتها وموثوقيتها وتفرغها من محتواها, بل قد تأدها في مهدها..... وبالأرقام...!!!!!.
يقدر عدد سكان الولايات المتحدة بحوالي 343 مليون نسمة, ووفقًا لأحدث دراسة شاملة أجراها مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، يمثل المسلمون الامريكيون نحو 1% من السكان, مقابل نحو 62% مسيحيون, و2% يهود ،1% هندوس, و1% بوذيون، بينما تبلغ نسبة غير المنتمين إلى أي دين نحو 29%.
وهنا تظهر المفارقة التي يبدو أن شيكلي يجهلها او يتجاهلها, المجتمع الأمريكي، بتنوعه الديني والعرقي الهائل، لا يمكن اختزاله في لعبة تخويف تقوم على تحويل أقلية دينية صغيرة لا تتجاوز 1% من اجمالي عدد السكان إلى خطر يهدد نسبة 99% الباقيين.......!!!!!
فكيف يمكن لجماعة دينية بهذا الحجم المحدود أن تتحول إلى خطر وجودي على دولة قارية بحجم الولايات المتحدة؟ وكيف يُطلب من أكثر من ثلاثمئة واربعين مليون أمريكي أن يخشوا من مواطنيهم وجيرانهم وزملائهم المسلمين الذي لا يكاد عددهم يذكر مقارنة بهم؟........كلام لا يدخل العقل السليم...!!!!
جوهر الموضوع, يبدو ان نتائج الانتخابات التمهيدية للتجديد النصفي للكونجرس هذا الشهر اغسطس, وخصوصاً فوز عدد ملفت من الرافضين للمجازر والجرائم المرعبة والابادة الجماعية التي ارتكبتها اسرائيل في قطاع غزة والتي سبقت الاشارة اليها, يبدو ان انتخاب الشعب الامريكي لعدد من الرافضين لهذه الجرائم الغيرمسبوقة في العصر الحديث هو الذي ازعج الوزير شيكلي, ودفعه للبحث عن حلول "خارج اطار الاخلاق والمنطق والمعقول" للتعامل مع هذا التطور الطبيعي الذي يتناغم مع الفطرة الانسانية السليمة والتي لا يعرف الوزير ماهيتها ولا تعني له شيئاً.
هذا من جهة, ومن جهة اخرى, فإذا أصبح من الممكن أن يختار وزير في حكومة أجنبية شريحة معينة من الشعب الامريكي ويعتبر دينها مصدر خوف يمكن "الاستفادة منه سياسيًا"، فما الذي يمنع غدًا أطرافًا آخرى من استخدام المنطق نفسه ضد شريحة اخرى من الامريكان ويعزف على وتر دينها كما يفعل الوزير؟ وهذا بالضبط "اللعب بالنار".
فالخطورة ليست فقط في استهداف المسلمين، وإنما في شرعنة هذا المبدأ الشرير, وأن تتحول الاديان في المجتمع الأمريكي إلى فزاعات سياسية، وأن يصبح الخوف من الآخر أداة تستخدمها حكومات أجنبية لتحقيق مصالحها.
ولذلك فإن على شيكلي أن يدرك أن فتح هذا الباب قد تكون له نتائج لا يحسب حسابها, وربما قد لا تكون في مصلحته ولا مصلحة اسرائيل, فالشارع الأمريكي يشهد تحولات سياسية واجتماعية عميقة كما يعرف هو ويعرف الجميع، وإطلاق خطاب التخويف الديني في مجتمع متنوع قد يولد اتجاهات وردود فعل لن تقتصر على استهداف المسلمين فحسب, بل الارجح ووفقاً لمنطق الامور وواقع الحال انها قد تستهدف غيرهم قبلهم من باب أولى, ومن المؤكد انها قد تضر بالمجتمع الأمريكي ككل....وهذا ما لا نرجوه وان كان الوزير شيكلي لا يهمه ذلك, بل ها هو يلمح اليه بدون ان يرف له جفن.
إن الخلاف مع سياسيين مسلمين شيء، وتحويل المسلمين إلى فئة مشبوهه شيء آخر تمامًا, المسلمون الأمريكيون ليسوا جسمًا سياسيًا موحدًا أصلًا؛ فهم ينحدرون من عشرات القوميات والثقافات والمدارس الفكرية، وتتباين مواقفهم السياسية والاجتماعية كما تتباين مواقف الفئات المختلفة من المسيحيين واليهود وغيرهم.
ما يكشفه تصريح شيكلي، في جوهره، هو مدرسة سياسية قديمة جدًا: عندما تفشل في إقناع الناس، أخِفْهم.
إذا لم يعد الخوف من تهمة معاداة السامية كافيًا لإسكات منتقدي إسرائيل، فليكن الخوف من الإسلام السياسي. وإذا لم يكن ذلك كافيًا، فليكن الإخوان المسلمون.
إن أخطر ما في هذه السياسة أنها قد تضر، في النهاية، باليهود أنفسهم. فالقوى السياسية المتطرفة التي تبني شعبيتها على كراهية الأقليات والمهاجرين لا تتحول فجأة إلى حركات إنسانية لمجرد أنها أعلنت تأييد إسرائيل.
والكراهية لا تحمل جواز سفر واحداً وليست حكراً على جنسية او دين او عرق او لون, فالمجتمع الذي يمكن أن يشيطن المسلم اليوم يمكن أن يشيطن اليهودي غدًا، والمهاجر بعد غد وبعده الاسيوى او الافريقي وهكذا، وأي أقلية أخرى وفقاً لتغير البيئة السياسية.
اخر الكلام:
إذا كان ثمة خطر ما يهدد الديمقراطية الأمريكية، فإن المؤسسات الأمريكية المشهود لها بالكفاءة هي التي تقرره وفق القانون، وليس وزيرًا في حكومة أجنبية يبحث عن أفضل المخاوف التي يمكن "الاستفادة منها".
من حق الأمريكي المسلم، كما المسيحي واليهودي والهندوسي والبوذي وغيرهم، أن يعارض سياسة إسرائيل دون أن يصبح متهمًا في ولائه لبلادها أومعادياً للسامية أو مصنفًا ضمن مشروع ديني عالمي, ومن حق الأمريكي اليهودي كذلك أن يعارض سياسات حكومة نتنياهوالاجرامية دون أن يُتهم بالخيانة أو كراهية الذات.
التحولات السياسية في الغرب وخصوصاً في الولايات المتحدة وسلوك اسرائيل الذي يعكسه تصريحات الوزير شيكلي وسلوك اللوبيات الصهيونية الداعمة لها تبرهن ان اسرائيل لا تستطيع الدفاع عن نفسها إلا بإبقاء حلفائها خاضعين لها اما بالخوف (كما يلمح الوزير شيكلي) او الابتزاز (ملفات ابستين) او ما يسمى التبرعات او الدعم المالي, والتي هي في حقيقتها رشوة كونها لا تقدم لوجه الله, بل تقدم مقابل مواقف وقرارات سياسية محددة متفق عليها.
ولكن لماذا لا يعرف المسؤولون الإسرائيليون على ما يبدو التعامل مع أمريكا إلا من بوابة الخوف؟
فالدول تتحالف بالمصالح، أما الخوف فليس تحالفًا, إنه أداة تأثير يلجأ اليها من لا يملك الحجة والقدرة الحقيقية على اقناع الطرف الاخر بعدالة قضيته وصدق سرديته.
د. سمير الددا
[email protected]



.jpeg)

.jpeg)