تحية لإيران ولسفير إيران

لم تحتلّ إيران دولةً جارة معترفاً بها في الأمم المتحدة، كما فعل العراق سنة 1990 حين اجتاح الكويت، وتعرض جراء ذاك لما تعرض له من نقمة الغرب بتحالف ودعم من دول الخليج العربية ، لكن ايران استطاعت حين جاء الدور عليها  أن تفعل بإسرائيل ما لم يستطع العراق أن يفعله، ولا استطاع العرب مجتمعين أن يفعلوه. فقد عاش ملايين الإسرائيليين تحت وطأة الصواريخ الإيرانية، ولجأوا إلى الملاجئ أسابيع طويلة، كما تمكنت إيران من كشف هشاشة اسرائيل وضعف منظومتها الدفاعية، فيما أثبتت إيران أنها قادرة على تهديد وجود الكيان  وضربه من مسافة بعيدة، وعلى تحدي الولايات المتحدة والغرب مجتمعين دون أن تنهار أو تتراجع عن المواجهة.

 

هنا يصبح السؤال الموريتاني المشروع والمزعج أيضا هو  لماذا تتحرك الحكومة ضد مواطنين في قرية بوسديرة لأنهم احتفوا بالسفير الإيراني، بينما كان السفير العراقي في موريتانيا سنة 1991 يُحمل على الأكتاف، وكانت أعلام العراق تملأ الشوارع، بل وتحوّل العلم العراقي في  المناسبات إلى ملاحفتزدهي بها  النساء ؟ أما اليوم فيتم سجن من  يحتفي بالسفير الايراني تحت مبرر المحافظة على هيبة الدولة وسيادتها،  أين كانت تلك الحساسية السيادية والأمنية سنة 1991؟

ما الذي تغيّر؟ هل تغيّرت موريتانيا، أم تغيّرت البوصلة التي تتحرك بها سياستها الخارجية؟

لا يمكن لأحد  تجاهل النفوذ المتزايد للسعودية والإمارات في المجال الموريتاني، فالإمارات أصبحت  أكثر من الشريكوتأثيرها وهيمنتها الناعمة معروفان، والسعودية وسّعت حضورها عبر بعض الاستثمارات، وأصبحت العلاقات بين البلدين، بحسب الخطاب الرسمي الموريتاني نفسه، تقوم على ما يعبر عنه عادة 'بتطابق الرؤى'  وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجا، هل أصبح على موريتانيا أن تنظر إلى إيران بالطريقة التي تنظر بها الرياض وأبوظبي إليها؟

هل أصبح ما تعتبره السعودية والإمارات خطراً إقليمياً عليهما خطراً على  موريتانياً أيضا ؟

إذا كان الأمر كذلك، فإن  السياسة الخارجية المستقلة تصبح محل تساؤل ، لأن الدولة التي تتلقى التمويل والمساعدات من الخارج، ثم تبعا لذاك تتبنى  في الملفات الإقليمية مواقف تتطابق بصورة متزايدة مع مواقف الجهات التي تقدم لها بعض المساعدات المرفقة بالتوجيهات، قد تجد نفسها تتحرك داخل مجال نفوذ أوسع منها، وهذا هو ما يسميه البعض بعلاقات "الريموت كونترول" وهي عبارة قد تبدو قاسية، لكنها تصف سؤالاً سياسياً حقيقياً، هل ما زالت دولتنا تقرر بنفسها من هو الخصم ومن هو الصديق، أم أن بعض العواصم الخليجية أصبحت تضبط، بدرجات مختلفة، حساسية موريتانيا تجاه خصومها الإقليميين وعلى راسهم ايران ؟

فإذا كانت السعودية قد صاغت سياستها الإقليمية على أساس أن إيران خطر يجب احتواؤه،  فهل  يعني هذا  أن الخطر خطرُنا نحن أيضاً، أم خطرٌ استُورد إلينا مع التمويل والاستثمار والمساعدات؟

 

ثم إن الحساب السياسي البارد — لا العاطفي — يقول شيئاً آخر تماماً. فإذا كانت موريتانيا تخشى فعلاً على مصالحها، فإن المستقبل ليس مع تلك العواصم التي تراهن على احتواء إيران، بل مع إيران نفسها ومع المشهد الدولي الجديد الذي تتشكّل ملامحه بسرعة، فالدول التي نشأت على تفاهمات سايكس-بيكو، والتي رُتّبت خرائطها ونُصّبت نخبها وفق توازنات انتهت صلاحيتها، قد تتأزّم أو تتهاوى. وبعضها، إن لم ينسّق مع إيران ومع "بريكس" في المستقبل، فما له إلا الزوال.

 

إن هذا يعني، بصراحة لا مجاملة فيها، أن موريتانيا يجب ألا تتمادى في قبول التحرّك حسب مزاج الآمارات أو السعودية أو الكويت فالدولة التي ترسم سياستها الخارجية على مقاس حساسية الرياض وأبوظبي  تجاه خصومهما، قد تربح اليوم تمويلاً ومشاريع، لكنها تخسر غداً موقعها وقدرتها على المناورة. والرهان على هذه الدول  وحدها، في عالم يتغيّر بسرعة، هو رهان على ظهر سفينة تُحاول أن تتوقف عن الإبحار.

فإما أن نكون أصحاب قرار سيادي، ننظر إلى إيران بأعيننا لا بأعين غيرنا، ونديرعلاقاتنا وفق مصالحنا لا وفق مزاج الممولين، وإما أن نستمر في السير خلف دول الخليج إلى أن نجد أنفسنا آخر من يعلم بأن الخريطة التي نتحرك عليها لم تعد موجودة أصلاً.

 

ثلاثاء, 15/09/2026 - 14:08