
أقلام - تمنح استعادة مدينة كيدال السلطات المالية مكسبًا سياسيًا ورمزيًا، لأنها تستعيد مدينة ارتبطت تاريخيًا بالتمرد الأزوادي. غير أن التجربة السابقة تقدم سببًا للحذر: فقد استعاد الجيش المالي المدينة في نوفمبر 2023، قبل أن يفقدها مجددًا في أبريل 2026.
وهذا يعني أن السيطرة على مركز حضري، مهما بلغت أهميته، لا تضمن وحدها القدرة على تأمين الطرق والمناطق الصحراوية المحيطة به.
ثلاثة انعكاسات محتملة على موريتانيا
أولًا: احتمال انتقال الضغوط العسكرية غربًا. تقع كيدال بعيدًا عن الحدود الموريتانية المباشرة، ولذلك لا يمثل تغير السيطرة عليها تهديدًا حدوديًا آنيًا. لكن استمرار العمليات ضد الحركات الأزوادية والجماعات الجهادية قد يدفع بعض المقاتلين إلى إعادة الانتشار في مناطق أخرى من شمال مالي ووسطها. ويصبح الأمر أكثر أهمية لموريتانيا إذا امتدت المواجهات إلى مناطق تمبكتو والطرق المتصلة بالشريط الحدودي الموريتاني.
ثانيًا: ضغوط إنسانية جديدة. تستضيف موريتانيا منذ سنوات لاجئين ماليين فروا من النزاعات وانعدام الأمن. وإذا أدت العمليات العسكرية إلى تجدد النزوح من شمال مالي، فقد تزداد الضغوط على مناطق الاستقبال، ولا سيما الحوض الشرقي ومخيم امبره.
ثالثًا: تعقيد التوازن الدبلوماسي. تحتفظ موريتانيا بعلاقات مع السلطات المالية، وتحتاج في الوقت نفسه إلى الاستقرار في المناطق الشمالية التي ترتبط بها مصالح أمنية وإنسانية وتجارية. وكلما طال النزاع بين باماكو والحركات الأزوادية، ازدادت صعوبة الفصل بين متطلبات التعاون مع الدولة المالية وضرورة تجنب امتداد الصراع إلى الأراضي الموريتانية.
العامل الروسي وحدود الحسم العسكري
تؤكد التقارير الدولية مشاركة عناصر من «فيلق إفريقيا» الروسي في العمليات التي سبقت استعادة كيدال. وتمنح هذه المشاركة موسكو دورًا مباشرًا في دعم قدرة الجيش المالي على تنفيذ عمليات برية وجوية واسعة.
غير أن القوة الجوية تستطيع تسهيل السيطرة على المدن دون أن تضمن إنهاء التمرد. وقد أعلنت جبهة تحرير أزواد أن انسحابها من كيدال إجراء مؤقت للحفاظ على قدراتها القتالية، وهو ما يشير إلى احتمال استمرار المواجهة خارج المراكز الحضرية.
وفي تحليل نشرته وكالة فرانس برس في 7 أكتوبر، جرى التأكيد على أن المكسب العسكري لا يحسم وحده الصراع في شمال مالي، حيث تتداخل المطالب السياسية للحركات الأزوادية مع نشاط الجماعات الجهادية.
ماذا ينبغي أن تراقب نواكشوط؟
تتمثل المؤشرات الحاسمة خلال الأسابيع المقبلة في قدرة الجيش المالي على تأمين الطريق بين غاو وكيدال، واتجاه العمليات العسكرية نحو تين زاواتين والمناطق الشمالية الأخرى، وتحركات الجماعات المسلحة في غرب مالي، وأي تغير ملموس في أعداد النازحين باتجاه الحدود الموريتانية.
ومن المهم أيضًا متابعة ما إذا كانت السلطات المالية ستكتفي بتثبيت مكسبها العسكري، أم ستفتح مسارًا سياسيًا لمعالجة النزاع مع الحركات الأزوادية.
استعادة كيدال انتصار عسكري لباماكو، لكنها ليست بالضرورة تحولًا استراتيجيًا نهائيًا في حرب شمال مالي.
وبالنسبة إلى موريتانيا، لا يكمن الخطر الأساسي في الجهة التي تسيطر على المدينة اليوم، بل في احتمال أن يؤدي استمرار النزاع إلى إعادة توزيع الجماعات المسلحة وتوسيع نطاق المواجهات والضغوط الإنسانية في منطقة الساحل.
وعليه، فإن مصلحة موريتانيا تقتضي مراقبة التطورات الميدانية عن قرب، وتعزيز الاستعداد الأمني والإنساني، والمحافظة على قنوات التواصل الإقليمي، دون الانخراط في الاستقطاب العسكري والسياسي المحيط بالنزاع.



.jpeg)

.jpeg)