
موريتانيا أرض أنعمت عليها الطبيعة بخيرات كثيرة. فباطن أرضها غني بالحديد والذهب والنحاس، ومؤخرًا بالغاز الطبيعي. ومع ذلك، تبدو هذه الثروة الطبيعية وكأنها تتحول إلى لعنة على شعبها.
وبحسب معطيات حديثة نُسبت إلى البنك الدولي وتداولتها وسائل إعلام محلية، تبدو الصورة مقلقة: فقد حصلت البلاد خلال سبع سنوات فقط على تمويلات تعادل تقريبًا ما حصلت عليه خلال ستين عامًا من الاستقلال. وبصورة أدق، يُقال إن سداد بعض القروض الحديثة سيبلغ 540 مليار أوقية على مدى ثلاثين عامًا، منها 232 مليار أوقية فوائد فقط.
ولا يتعلق الأمر هنا بإجمالي الدين العام، بل بالعبء الناجم عن موجة حديثة من الاقتراض. إنها حقيقة مُرّة تطرح أسئلة مشروعة حول طريقة إدارة الحكام لموارد البلاد ومستقبل سيادتها.
بنية مديونية تثير التساؤل
إن هندسة هذه القروض في حد ذاتها تثير القلق. فأن تشكل الفوائد ما يقارب نصف المبلغ الواجب سداده يكشف عن اعتماد مفرط على تمويلات مرتفعة الكلفة. ويبدو أن مثل هذه البنية تعكس غياب استراتيجية واضحة لتخفيف المديونية، وتراخيًا مقلقًا في التخطيط الاقتصادي.
فالاقتراض من أجل البناء أمر، والاستدانة لسد اختلالات بنيوية أمر آخر.
هل كانت هذه الأزمة حتمية؟ من المشروع الشك في ذلك. فالإدارة الرشيدة كانت تقتضي تنويع الاقتصاد، والتشدد في اختيار المشاريع التي تستحق التمويل. لكن، على العكس من ذلك، يبدو أن الغموض والمحسوبية حوّلا فرصًا كان يمكن أن تكون للتنمية إلى عبء خانق.
نعم، كان بالإمكان تفادي هذا الوضع، وهو ثمرة حوكمة قصيرة النظر ضحّت بالمستقبل على مذبح العاجل والآني، في ولاء لنظرية الرأسمالية يفوق أحيانًا ولاء مؤسسيها أنفسهم.
الأجيال القادمة ستدفع الثمن
أما المأساة الحقيقية، التي ينبغي أن تثير أقصى درجات الاستنكار، فهي الظلم بين الأجيال.
فالأجيال القادمة هي التي ستدفع ثمن الأخطاء الحالية. وعلى مدى ثلاثين عامًا، سيُقتطع جزء معتبر من الميزانية الوطنية بصورة شبه آلية من قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل، ليذهب إلى خدمة هذه الديون.
الأطفال الذين يولدون اليوم قد يرثون بلدًا تكون بنيته التحتية الأساسية قد تهالكت، بينما يظل الدين حيًا قائمًا.
إنه انتقال معكوس للثروة: تضحيات الفئات الأكثر هشاشة تمول أخطاء صناع القرار، على حساب تحرر مواطني الغد وقدرتهم على بناء مستقبلهم.
ثراء فاحش في مقابل معاناة الناس
وفي الوقت الذي يرزح فيه الشعب تحت وطأة الدين وغلاء المعيشة، تستعرض فئة من الرجال والنساء، كانوا إلى وقت قريب يعيشون في الفقر، ثراءً صارخًا.
هؤلاء الأثرياء الجدد يعيشون شهر عسل مغتصبًا، بُني على عرق شعب كامل وحرمانه. ووفق ما يتداول على شبكات التواصل الاجتماعي، يتباهى بعضهم بسيارات فارهة، ويتمتع بلا حرج بأكثر مظاهر الرفاه بذخًا، ويقتني فيلات فخمة في إسبانيا والمغرب وتركيا.
إنه استفزاز دائم للمواطن العادي الذي يكافح لتأمين أبسط متطلبات حياته.
والأسوأ من ذلك أنه، بعد استنزاف الموارد ورهن المستقبل، يخرج علينا وزراء صغار متأنقون ووزيرات متأنقات، يتزلفون للسلطة ويبيعون ضمائرهم وضمير الوطن، ليحدثونا عن «إنجازات» هذه الحكومة.
يتحدثون بثقة ورضا، وكأنهم يزيحون بظهر اليد معاناة شعب يبدو أنهم لا يكترثون بها.
وأمام كل هذه الجرأة، وكل هذا القدر من انعدام الحياء، لا يبقى سوى رد واحد، حاد ومفعم بالازدراء:
الله يلطف.
استمتعوا جيدًا بشهر عسلكم المسروق.
لكن كل شيء يزول إلا الله. ولو كانت الحياة البشرية خالدة، لكان آخرون قبلكم ما زالوا يتمتعون بها.
الخطر لم يعد اقتصاديًا فقط
في المحصلة، ليست المسألة مجرد تهديد للاقتصاد الموريتاني، بل إن العقد الاجتماعي نفسه بات معرضًا للخطر.
فالاستياء المتصاعد بين المواطنين ليس مجرد مزاج عابر، بل هو صرخة مشروعة لشعب يرفض أن يرى مستقبله مرهونًا.
لقد أصبح من الملح أن تتضح الوجهة الدقيقة لهذه التمويلات الحديثة، وأن يعرف المواطن أين صُرفت وكيف استُخدمت.
إن المطالبة بالمحاسبة، وطلب الشفافية الكاملة، لم يعودا خيارين، بل أصبحا واجبين مدنيين ملحّين.
فإذا كان الدين عبئًا، فإن الصمت المتواطئ أمام سوء الإدارة هو القبر الحقيقي.
اعليّـه محمد
أستاذ وكاتب



.jpeg)

.jpeg)